ibnu-musafir.com

فصل من النص الكامل لكتاب «قِصَّةُ إِسْلَامِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ» · قراءة الكتاب بصيغة PDF

إشارةٌ إلى رواياتٍ أخرَى

أَذكُرُ هنا مِن بابِ الإشارةِ أنَّ هناكَ رِوايةً أُخرَى لِقصَّةِ إسلامِ سلمانَ الفارسيِّ رواها عبدُ الرَّزَّاقِ في «المصنَّفِ»: «عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ قَالَ: دَخَلَ قَوْمٌ عَلَى ‌سَلْمَانَ وَهُوَ أَمِيرٌ بِالْمَدَائِنِ وَهُوَ يَعْمَلُ هَذَا الْخُوصَ(١)، فَقِيلَ لَهُ: أَتَعْمَلُ هَذَا وَأَنْتَ أَمِيرٌ؟ وَهُوَ يَجْرِي عَلَيْكَ رِزْقٌ قَالَ: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ آكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِي، وَسَأُخْبِرُكُمْ كَيْفَ تَعَلَّمْتُ هَذَا، إِنِّي كُنْتُ فِي أَهْلِي ‌بِرَامَ ‌هُرْمُزَ ...».

وفي هذهِ الرِّوايةِ زيادةُ بعضِ التَّفاصيلِ مِن قصَّةِ سلمانَ معَ الرُّهبانِ النَّصارى، وأمَّا في غيرِ ذلكَ فهيَ مختصَرةٌ لا يُذكرُ فيها كثيرٌ ممَّا سبقَ في الرِّوايةِ المشهورةِ المشروحةِ في هذهِ الرِّسالةِ. وفي الإسنادِ المذكورِ عندَ عبدِ الرَّزَّاقِ ضَعفٌ كما لا يَخفَى.

ثمَّ روَى الحاكمُ في «المستدرَكِ» روايةً تُشبهُ هذهِ في مَطلَعِها إلَّا أنَّها طويلةٌ جدًّا فيها كثيرٌ مِنَ التَّفاصيلِ الزَّائدةِ، بِدايتُها: «أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ كَانَا صَدِيقَيْنِ لِزَيْدِ بْنِ صُوحَانَ أَتَيَاهُ لِيُكَلِّمَ لَهُمَا ‌سَلْمَانَ أَنْ يُحَدِّثَهُمَا حَدِيثَهُ كَيْفَ كَانَ إِسْلَامُهُ فَأَقْبَلَا مَعَهُ حَتَّى لَقُوا ‌سَلْمَانَ، وَهُوَ بِالْمَدَائِنِ أَمِيرًا عَلَيْهَا، وَإِذَا هُوَ عَلَى كُرْسِيٍّ قَاعِدٌ، وَإِذَا خُوصٌ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ يَسُفُّهُ(٢)، قَالَا: فَسَلَّمْنَا وَقَعَدْنَا،

فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، إِنَّ هَذَيْنِ لِي صَدِيقَانِ وَلَهُمَا أَخٌ، وَقَدْ أَحَبَّا أَنْ يَسْمَعَا حَدِيثَكَ كَيْفَ كَانَ بَدْءُ إِسْلَامِكَ؟ قَالَ: فَقَالَ ‌سَلْمَانُ: كُنْتُ يَتِيمًا مِنْ ‌رَامَ ‌هُرْمُزَ، وَكَانَ ابْنُ دِهْقَانِ ‌رَامَ ‌هُرْمُزَ يَخْتَلِفُ إِلَى مُعَلِّمٍ يُعَلِّمُهُ ...».

ويُلاحَظُ في هذهِ الرِّوايةِ أنَّها تشتملُ على عدَّةِ أمورٍ تخالفُ حديثَ ابنِ إسحاقَ المشهورَ، ومثلُ هذهِ الأمورِ لا تثبتُ بمثلِ هذهِ الرِّوايةِ المتأخِّرةِ، فلا أعلمُ أحدًا رواها بهذا الطُّولِ وهذهِ التَّفاصيلِ الكثيرةِ قبلَ الحاكمِ وهوَ متأخِّرٌ قدْ تُوفِّيَ سنةَ ٤٠٥ هـ.(٣)

وعندَ ابنِ سعدٍ في «الطَّبقاتِ»: «أخبرنا يوسفُ بنُ البُهْلولِ قالَ: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ إدريسَ قالَ: حدَّثنا محمَّدُ بنُ إسحاقَ قالَ: حدَّثني عاصمُ بنُ عمرَ بنِ قتادةَ عنْ رجلٍ مِنْ عبدِ القيسِ أنَّهُ سمعَ عُمَرَ بنَ عبدِ العزيزِ يقولُ: حدَّثني مَنْ حدَّثهُ سلمانُ أنَّهُ كانَ في حديثِهِ حينَ ساقَهُ لرسولِ اللهِ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ، أنَّ صاحبَ عمُّوريَّةَ قالَ لهُ ...».

وهذا الإسنادُ ضعيفٌ، وفي الرِّوايةِ غرائبُ لا تَثبتُ بمثلِ هذا، واللهُ أعلمُ.

وبِذلكَ تمَّ هذا الشَّرحُ لِقصَّةِ إسلامِ سلمانَ الفارسيِّ رضي الله عنه.

واللهُ أعلمُ

أتوجَّهُ بالشُّكرِ لكلِّ مَن أعانَ على إخراجِ هذهِ الرِّسالةِ وعلى نَشْرِها ولكلِّ مَن استفدتُ منه في ذلكَ، وأدعو اللهَ تعالى لهم بالتَّوفيقِ وَرحِمَ اللهُ علماءَ المسلمينَ الَّذينَ نقَلوا إلينا هذا الدِّينَ وصلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وآلِهِ وصَحْبِهِ وسلَّم والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ

الهوامش

  1. الخُوصُ ورقُ النَّخلِ وغيرِهِ. ↩
  2. أي: يَنسِجُ الخُوصَ بالأصابعِ. وليسَ «يُسَفِّهُ» كما ضُبطَ في بعضِ الكتبِ. ↩
  3. وادَّعى الحاكمُ صحَّتَها حينَ قالَ: «هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَالٍ فِي ذِكْرِ إِسْلَامِ ‌سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ رضي الله عنه، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ ‌سَلْمَانَ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ بِغَيْرِ هَذِهِ السِّيَاقَةِ فَلَمْ أَجِدْ مِنْ إِخْرَاجِهِ بُدًّا لِمَا فِي الرِّوَايَتَيْنِ مِنَ الْخِلَافِ فِي الْمَتْنِ وَالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ»، فجاءَ التَّعليقُ عليهِ في «تلخيصِ المستدرَكِ»: «بلْ مُجمَعٌ على ضعفِهِ».

    وأمَّا علوُّهُ فإنْ قصدَ الحاكمُ علوَّ الإسنادِ فنَعمْ، أصلُ القصَّةِ عندَ عبدِ الرَّزَّاقِ بإسنادٍ عالٍ معَ ضَعفٍ فيهِ، أمَّا إسنادُهُ هوَ معَ هذهِ الزِّياداتِ الكثيرةِ فلا.

    وهذهِ الرِّوايةُ سِيقتْ مِنْ هذهِ الطَّريقِ في «دلائلِ النُّبوَّةِ» للبيهقيِّ، وعلَّقَ عليها عبدُ الرَّحمنِ بنُ صالح الحجِّي في مجلسٍ عندَ قراءةِ هذهِ الرِّوايةِ وقالَ بأنَّها لا تُعارضُ القصَّةَ المشهورةَ الَّتي عندَ ابنِ إسحاقَ. ومَنْ تأمَّلَ الرِّوايةَ وقارنَها بالقصَّةِ المشهورةِ يجدْ مخالفاتٍ عدَّةً. وحسَنٌ أنَّ النَّاسَ يَدعُونَ إلى تدبُّرِ هذهِ القصَّةِ وما فيها مِنَ الفوائدِ الجليلةِ، لكنْ لا ينبغي أنْ يُعتمدَ على ما لا يصحُّ ويخالفُ معَ ذلكَ المشهورَ، واللهُ تعالى أعلمُ. ↩