ibnu-musafir.com

تمهيد · فصل من النص الكامل لكتاب «شرح مقدمة تفسير ابن أبي حاتم الرازي» · قراءة الكتاب بصيغة PDF

مَن هو ابنُ أبي حاتمٍ الرَّازيُّ

أبو محمدٍ عبدُ الرَّحمنِ بنُ أبي حاتمٍ الرَّازيُّ (٢٤٠ - ٣٢٧ هـ) نِسبةً إلى مدينةِ الرَّيِّ الَّتي تقعُ اليومَ في إيرانَ، كان من أكابرِ أئمَّةِ المسلمينَ، وكان عالِمًا بالحديثِ والجرحِ والتَّعديلِ، وألَّف فيه كتابَه «الجرحُ والتَّعديلُ» الَّذي صار أساسًا في هذا العلمِ، وقد بناه على كتابِ «التاريخُ الكبيرُ» لمحمَّدِ بنِ إسماعيلَ البخاريِّ.

ولهُ كتابٌ آخرُ اعتُمدَ عليهِ بعدَهُ في مجالِهِ وهو كتابُ «عللُ الحديثِ»، ثمَّ لهُ كتبٌ أُخرى في عُلومِ الحديثِ وعِلمِ الرِّجالِ خاصَّةً. كما أنَّهُ ألَّفَ تفسيرَهُ الكبيرَ الَّذي جمعَ فيهِ رِواياتِ السَّلفِ في بيانِ معانِي القُرآنِ.

وألَّف كُتُبًا أُخْرَى مثلَ «آدابُ الشافعيِّ ومناقِبُهُ» وغيرَ ذلك. وكان شديدَ التمسُّكِ بالسُّنَّةِ، وألَّف في الرَّدِّ على أهلِ البِدعةِ «الرَّدُّ على الجهميَّةِ»، وهو كتابٌ كبيرٌ كما ذكرَ مَن روَى عنه مِنَ المتأخِّرينَ، إلَّا أنَّهُ اليومَ مفقودٌ.

من أبرَزِ شيوخِهِ أبوهُ أبو حاتمٍ الرَّازيُّ (١٩٥ - ٢٧٧ هـ)، وهو محمدُ بنُ إدريسَ بنِ المنذرِ الحنظَليُّ، وكذلك أبو زُرعةَ الرَّازيُّ - ابنُ عمَّةِ أبي حاتمٍ -، اللَّذانِ كانا إمامينِ في الحديثِ من قبلِ ابنِ أبي حاتمٍ واشتهرا بلقَبِ «الرَّازِيَّيْنِ»، وقد نَقَلَ ابنُ أبي حاتمٍ عنهما «عقيدةَ الرَّازِيَّيْنِ» الَّتي صارت مُتداوَلةً بين النَّاسِ في بيانِ معتَقَدِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ.

أمَّا أبوهُ فقد تَرجمَ له في كتابِهِ «الجرحُ والتَّعديلُ»، فقال: «ومِن العلماءِ الجهابذةِ النُّقَّادِ من الطَّبقةِ الرَّابعةِ من أهلِ الرَّيِّ أبي [أبو حاتمٍ] رحِمهُ اللهُ»، وبعدهُ ذكَر أبوابًا في وصفِ أبيهِ بدايةً من قولِهِ: «بابُ ما ذُكِرَ من معرفةِ أبي رحمه الله بصحَّةِ الحديثِ وسقيمِهِ». وممَّن ترجمَ له بعد ذلك ابنُ عَديٍّ الجُرجانيُّ في «الكاملِ»، فمَن اطَّلعَ على ما قيلَ في تراجمِ هذا الإمامِ يرى العجبَ من عِلمِهِ وأخلاقِهِ وحُسنِ سيرتِهِ.

ومِثلُهُ في الإمامةِ أبو زُرعةَ الرَّازيُّ (٢٠٠ - ٢٦٤ هـ)، وهو عُبيدُ اللهِ بنُ عبدِ الكريمِ بنِ يزيدَ بنِ فَرُّوخ الرَّازيُّ، وقد ترجمَ له ابنُ أبي حاتمٍ في «الجرحِ والتعديلِ» أيضًا، ونقلَ في «عِلَلِ الحديثِ» بالإسنادِ قولَ الإمامِ أحمدَ: «ما جاوَزَ الجِسْرَ أحدٌ أفقَهُ من إسحاقَ ابنِ راهَوَيْهِ، ولا أحفَظُ من أبي زُرعةَ»، وعن ابنِ أبي شيبةَ الإمامِ المشهورِ: «ما رأيتُ أحفَظَ من أبي زُرعةَ»، وروَى عن عبدِ اللهِ بنِ الإمامِ أحمدَ قولَهُ: «لمَّا ورَدَ علينا أبو زُرعةَ نزَلَ عندنا، فقالَ لي أبي: يا بُنَيَّ، قد اعتَضْتُ(١) بنوافِلي مُذاكَرةَ هذا الشيخِ».

وروى في «الجرحِ والتعديلِ» قولَ يُونسَ بنِ عبدِ الأعلَى: «ما رأيتُ أكثرَ تواضعًا من أبي زُرعةَ، هو وأبو حاتمٍ إماما خُراسانَ». وروى ابنُ عَديٍّ في «الكاملِ» عن أبي يَعلى المَوصِليِّ قال: «ما سَمِعْنا بذِكرِ أحدٍ بالحفظِ إلَّا كان اسمُهُ أكثرَ من رُؤيتِهِ إلَّا أبو زُرعةَ الرَّازيُّ، فإنَّ مشاهدتَهُ كانت أعظمَ من اسمِهِ، وكان لا يرى أحدًا مَن هو دونَهُ في الحفظِ أنَّهُ أعرَفُ منهُ، وكان قد جمَعَ حفظَ الأبوابِ والشيوخِ والتَّفسيرِ وغيرِ ذلك، وكتبْنا بانتخابِهِ بواسِطَ ستَّةَ آلافٍ» أي ستَّةَ آلافِ حديثٍ.

فبهذهِ النُّقولِ - وهي نَزرٌ يسيرٌ ممَّا ذُكِرَ في ترجمةِ الإمامينِ الرَّازِيَّيْنِ - تَظهرُ جليًّا مكانةُ مَن تعلَّمَ منهم ابنُ أبي حاتمٍ ومكانتُهُ هو في العلمِ والفضلِ. فهؤلاءِ الأئمَّةُ أمثالُ الرَّازِيَّيْنِ وابنِ أبي حاتمٍ مِمَّن حفِظَ اللهُ لنا بهمُ الدِّينَ، وهم مَن نقَل إلينا القرآنَ والحديثَ وعلومَهُما كلَّها بلا استثناءٍ. وممَّا لا يَفهَمُهُ كثيرٌ من النَّاسِ مِمَّن لم يطَّلِعْ على عِلمِ الرِّوايةِ وعلى كُتُبِ السَّلفِ أنَّ مثلَ ابنِ أبي حاتمٍ يَروي التَّفسيرَ بأسانيدِهِ! أي هو سمِعَ هذا كلَّهُ مباشرةً عن شيوخِهِ المختلفينَ المتعدِّدينَ، وكان قريبًا من المصدرِ. فالفرقُ عظيمٌ بينهم وبينَ مَن تأخَّرَ عنهم قرونًا ويهتمُّ بالتَّفسيرِ بِناءً على ما كتبَهُ غيرُهُ ولا يروي خبرًا واحدًا بالإسنادِ بِنفسِهِ. ومَن تدبَّرَ هذه المعلومةَ فحَسْبُ ينكشِفُ له البَونُ الشَّاسعُ بينَ معرفةِ هؤلاءِ ومعرفةِ هؤلاءِ، ليسوا سواءً، فليُتنبَّهْ!

قال أبو يعلَى الخلِيلِي في «الإرشادُ في معرفةِ علماءِ الحديثِ» في تَرجمتِهِ: «أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيُّ أَخَذَ عِلْمَ أَبِيهِ وَأَبِي زُرْعَةَ، وَكَانَ بَحْرًا فِي الْعُلُومِ وَمَعْرِفَةِ الرِّجَالِ وَالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مِنَ السَّقِيمِ، وَلَهُ مِنَ التَّصَانِيفِ مَا هُوَ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ يُوصَفَ فِي الْفِقْهِ، وَالتَّوَارِيخِ، وَاخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، وَعُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ، وَكَانَ زَاهِدًا يُعَدُّ مِنَ الْأَبْدَالِ».

وكان ابنُ أبي حاتمٍ عالِمًا بالقرآنِ، تعلَّمَ القرآنَ قبلَ الحديثِ. قال أبو القاسمِ الأَصبهانيُّ في «سِيَرُ السَّلفِ الصَّالحينَ»: «قَالَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، يَقُولُ: لَمْ يَدَعْنِي أَبِي أَشْتَغِلُ بِالْحَدِيثِ حَتَّى قَرَأْتُ الْقُرْآنَ عَلَى الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ، ثُمَّ كَتَبْتُ الْحَدِيثَ. وَكَانَ حَافِظًا لِلْقُرْآنِ وَيُصَلِّي التَّرَاوِيحَ بِنَفْسِهِ(٢)»،

وروَى عن عليٍّ أيضًا: «كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مُقْبِلًا عَلَى الْعِبَادَةِ مِنْ صِغَرِهِ، وَالسَّهَرِ بِاللَّيْلِ، وَالذِّكْرِ وَلُزُومِ الطَّهَارَةِ، فَكَسَاهُ اللَّهُ بَهَاءً وَنُورًا، فَكَانَ يُسَرُّ بِهِ مَنْ نَظَرَ إِلَيْهِ»،

وعنهُ كذلك: «سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْبَغْدَادِيَّ، بِمَكَّةَ يَقُولُ: كَانَ مِنْ مِنَّةِ اللَّهِ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ وُلِدَ بَيْنَ قَمَاطِرِ(٣) الْعِلْمِ وَالرِّوَايَاتِ، وَتَرَبَّى بِالْمُذَكِّرَاتِ بَيْنَ أَبِيهِ وَأَبِي زُرْعَةَ، فَكَانَا يَزُقَّانِهِ(٤) كَمَا يُزَقُّ الْفَرْخُ الصَّغِيرُ وَيُعْنَيَانِ بِهِ، فَاجْتَمَعَ لَهُ مَعَ جَوْهَرِ نَفْسِهِ كَثْرَةُ عِنَايَتِهِمَا، ثُمَّ تَمَّتِ النِّعْمَةُ بِرِحْلَتِهِ مَعَ أَبِيهِ، فَأَدْرَكَ الْإِسْنَادَ وَثِقَاتِ الشُّيُوخِ بِالْحِجَازِ، وَالْعِرَاقِ، وَالشَّامِ، وَالثُّغُورِ، وَسَمِعَ بِأَنْبِجَانَةَ، حَتَّى عَرَفَ الصَّحِيحَ مِنَ السَّقِيمِ وَتَرَعْرَعَ فِي ذَلِكَ ثُمَّ كَانَتْ رِحْلَتُهُ الثَّانِيَةُ بِنَفْسِهِ بَعْدَ تَمَكُّنِ مَعْرِفَتِهِ، يُعْرَفُ لَهُ ذَلِكَ وَيُقَدَّمُ لِحُسْنِ فَهْمِهِ وَدِيَانَتِهِ وَقَدِيمِ سَلَفِهِ».

وابنُ شاذانَ المذكورُ الذي تعلَّمَ عندَهُ القرآنَ قالَ الخلِيلِيُّ عنه في «الإرشادِ»: «الْفَضْلُ بْنُ شَاذَانَ الْمُقْرِئُ قَدِيمٌ، سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ مِهْرَانَ وَغَيْرَهُ، مَذْكُورٌ بِعِلْمِ الْقُرْآنِ، سَمِعَ مِنْهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُهُ الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ، كَبِيرُ الْمَحَلِّ بِالرَّيِّ فِي السُّنَّةِ، يُقَارَنُ بِأَبِي حَاتِمٍ فِي شَأْنِهِ، وَلَهُ مَعْرِفَةٌ عَظِيمَةٌ بِالْقِرَاءَاتِ، وَالتَّفْسِيرِ، وَتَصَانِيفُ كَثِيرَةٌ».

بلغَ ابنُ أبي حاتمٍ من العمرِ سبعًا وثمانينَ سنةً أفناها في طلبِ العلمِ ونشرِهِ، ووضعَ أكثرَ من كتابٍ صارَ عمدةً في مجالِهِ، ومَن تأمَّلَ ما كتبَهُ هذا الإمامُ يتعجَّبُ من كثرَتِهِ وأهمِّيَّتِهِ غايةَ التَّعجُّبِ، فرحمَهُ اللهُ وأباهُ وجميعَ علماءِ المسلمينَ، آمين.

الهوامش

  1. مِن فِعلِ «اعتاضَ يَعتاضُ» من العِوَضِ، يَقصِدُ أنَّهُ جعَلَ مُذاكَرةَ الحديثِ معه مكانَ صلواتِهِ النَّافلةِ، واللهُ أعلمُ. ↩
  2. والظَّاهرُ أنَّ هذا الأخيرَ وصْفٌ مِن عليِّ بنِ إبراهيمَ لابنِ أبي حاتمٍ، واللهُ أعلمُ. ↩
  3. جمعُ «القِمَطْرِ»، قالَ الخليلُ في «العَينِ»: «القِمَطْرُ: الجمَلُ الضَّخمُ»، وقالَ أبو عمرٍو الشَّيبانِيُّ في «الجِيمِ»: «والقِمَطْرُ: الشَّديدُ». وقالَ الجوهريُّ في «الصِّحاحِ»: «والقِمَطْرُ والقِمَطْرَةُ: ما يُصانُ فيه الكُتُبُ»، فلعلَّهُ أرادَ هذا المعنَى الأخيرَ، مع كونِ هؤلاءِ أقوِياءَ أشدَّاءَ في العِلمِ. ↩
  4. مِن قولِهم «زَقَّ الطَّائِرُ صِغارَهُ أيْ أَطْعمَهُمْ بِمِنْقارِهِ». ↩