«باب» (٢١): الشّركُ يُحبِطُ جميعَ الأعمالِ
«فصل» (١): قولُ اللَّهِ تعالَى عن نبيِّنا ﷺ ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾
﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ٦٥﴾ [الزمر: ٦٥]
٢٠١ - يقولُ الطَّبَرِيُّ في معنَى الآيةِ: «يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَقَدْ أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ يَا مُحَمَّدُ، وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ مِنَ الرُّسُلِ ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] يَقُولُ: لَئِنْ أَشْرَكْتَ بِاللَّهِ شَيْئًا يَا مُحَمَّدُ، لَيَبْطُلَنَّ عَمَلُكَ، وَلَا تَنَالُ بِهِ ثَوَابًا، وَلَا تُدْرِكُ بِهِ جَزَاءً إِلَّا جَزَاءَ مَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ، وَهَذَا مِنَ الْمُؤَخَّرِ الَّذِي مَعْنَاهُ التَّقْدِيمُ،
وَمَعْنَى الْكَلَامِ: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ، وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ، وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ، بِمَعْنَى: وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ مِنَ الرُّسُلِ مِنْ ذَلِكَ، مِثْلُ الَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْهُ، فَاحْذَرْ أَنْ تُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا فَتَهْلِكَ وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ٦٥﴾ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْهَالِكِينَ بِالْإِشْرَاكِ بِاللَّهِ إِنْ أَشْرَكْتَ بِهِ شَيْئًا». [تفسيرُ الطَّبَرِيِّ (ت ٣١٠هـ)]
فالمخاطَبُ في هذه الآيةِ هو النّبيُّ ﷺ مع أنّه كان معصومًا مِنَ الشّركِ، وذلك ممّا يُسمَّى بفرضِ المُحالِ، والمرادُ مِنه الإتيانُ بمثالٍ في غايةِ الوضوحِ يُمكِنُ أن تُقاسَ عليه كلُّ الصّورِ الأخرَى التي دونه. ومعناه أنّ المذكورَ في الآيةِ ليس موجَّهًا إلى النّبيِّ ﷺ بالقصدِ الأوّلِ، بل هو تحذيرٌ وبيانٌ لعامّةِ النّاسِ الذين ليسوا معصومينَ مِنَ الشّركِ. ومعنَى ما يُخبِرُنا اللَّهُ تعالَى به: «إن كان النّبيُّ نفسُه يَفقِدُ جميعَ أعمالِه بفعلٍ واحدٍ مِنَ الشّركِ الأكبرِ ويكونُ مِنَ الخاسرينَ، فغيرُ النّبيِّ أَولَى بحبوطِ جميعِ أعمالِه».
وبهذا المعنَى فُسِّرَ قولُه تعالَى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ٢١٣﴾ [الشعراء: ٢١٣]
٢٠٢ - ذكرَ الْبَغَوِيُّ: «قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: يُحَذِّرُ بِهِ غَيْرَهُ، يَقُولُ: أَنْتَ أَكْرَمُ الْخَلْقِ عَلَيَّ وَلَوِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَعَذَّبْتُكَ» [تفسيرُ الْبَغَوِيِّ (ت ٥١٦هـ)](١)
٢٠٣ - وقال يَحْيَى بْنُ سَلَّامٍ في الآيةِ: «﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الشعراء: ٢١٣] يَعْنِي: وَلَا تَعْبُدْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ. قَالَ: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ وَقَدْ عَصَمَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ». [تفسيرُ يَحْيَى بْنِ سَلَّامٍ (ت ٢٠٠هـ)]
ولا بُدَّ أن يُنتَبَهَ هنا إلى أنّ الأنبياءَ عليهم السلام أشدُّ النّاسِ بلاءً(٢)، فأعمالُهم خيرُ الأعمالِ على الإطلاقِ. ثمّ إنّ مُحَمَّدًا ﷺ سيّدُ الأنبياءِ وخاتمُ المرسَلينَ. مَن لم ينتبهْ إلى هذه الأمورِ لا يَفقَهُ حقيقةَ هذه الآيةِ وقوّةَ الحجّةِ التي فيها فِقهًا تامًّا.
فمُحَمَّدٌ ﷺ، مع ما في حياتِه كلِّها مِنَ الأعمالِ العظيمةِ مِن تحمُّلِ الرّسالةِ الثّقيلةِ ومشاقِّ الدّعوةِ إليها مِن عداوةِ قومِه وإخراجِه مِن بلدِه وقتالِ المشركينَ في سبيلِ اللَّهِ وثباتِه في كلِّ ذلك، لو أَشركَ في فِعلٍ واحدٍ مع اللَّهِ إلهًا آخرَ لفقدَ جميعَ هذه الأعمالِ وخسِرَ الدّنيَا والآخرةَ. واللَّهُ تعالَى يؤكّدُ هذين الأمرَينِ مِن حبوطِ العملِ وكونِه في هذه الحالةِ مِنَ الخاسرينَ بنونِ التّوكيدِ الثّقيلةِ.
فإذا كانت هذه حالةَ مُحَمَّدٍ ﷺ لو فُرِضَ أن تقعَ مِنه فَعْلةُ شِركٍ، فهل يَبقَى للمشركينَ قديمًا وحديثًا شيءٌ مِن أعمالِهم؟ بل أهلُ الشّركِ في كلِّ زمانٍ أولَى ثمّ أولَى بحبوطِ جميعِ أعمالِهم، وإذا كان الأمرُ كذلك فبأيِّ عملٍ يَدخلونَ جنّةَ المؤمنينَ كما يدّعِي ذلك مَن يَجعلُهم مؤمنينَ ومسلمينَ بحجّةِ الجهلِ والانتسابِ؟
الهوامش
- ذكرَه الْبَغَوِيُّ بلا إسنادٍ، وذكرَه قبلَه الْوَاحِدِيُّ في «التّفسيرِ الوسيطِ» و«التّفسيرِ البسيطِ» بلا إسنادٍ أيضًا. ↩
- قال سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: «الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ ...»»، رواه التِّرْمِذِيُّ وقال: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ»، ورواه أَحْمَدُ بنحوِه. ↩