ibnu-musafir.com

فائدةٌ مهمَّةٌ في علمِ الرِّوايةِ

فصل من النص الكامل لكتاب «قِصَّةُ إِسْلَامِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ» · قراءة الكتاب بصيغة PDF

هناكَ أمرٌ يظهرُ في هذا الحديثِ لهُ تعلُّقٌ بقضيَّةِ معاملةِ أهلِ العلمِ للرِّواياتِ الّتي في أسانيدِها شيءٌ مِنَ الضَّعفِ، وما رأيتُ أنَّ للنَّاسِ كلامًا فيهِ أو تنبيهًا إليهِ.

ذلكَ أنَّ علماءَ السَّلفِ مِنْ أهلِ الحديثِ لمْ يَطرَحُوا هذا النَّوعَ الّذي فيهِ ضعفٌ كلَّهُ كما أنَّهمْ لمْ يثبتُوهُ كلَّهُ، بلْ كانَ مسلكُهمْ في هذهِ الأحاديثِ وسطًا بينَ هذينِ، ومثالٌ لهذا ما روَى الحاكمُ في «المستدركِ» بإسنادِهِ عنْ عبدِ الرَّحمنِ بنِ مهديٍّ قالَ: «إذا رَوَيْنا عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في الحلالِ والحرامِ والأحكامِ شدَّدنا في الأسانيدِ وانتقدْنا الرِّجالَ، وإذا رَوينا في فضائلِ الأعمالِ والثَّوابِ والعقابِ والمباحاتِ والدَّعَواتِ تساهلْنا في الأسانيدِ». وقدْ تكلَّمتُ في هذا الأمرِ في «شرحِ مقدِّمةِ تفسيرِ ابنِ أبي حاتمٍ» بما يغنِي عنْ إعادتِهِ هاهنا.54

فينبغي تأمُّلُ هذا الحديثِ وما وُصفَ فيهِ مِنَ الغربةِ الشَّديدةِ، فإنَّ هؤلاءِ النَّصارى كانوا لا يروُونَ العلمَ بالأسانيدِ أصلًا، ومعَ ذلكَ كانوا مذمومينَ على انحرافِهِم! ويعنِي ذلكَ أنَّ هؤلاءِ - نحوَ ستَّةِ قرونٍ بعدَ نبيِّهمْ عيسى عليهِ السَّلامُ - كانتِ الحجَّةُ في معرفةِ الدِّينِ قائمةً عليهمْ معَ ما حصلَ للدِّينِ مِنْ غربةٍ وتغييرٍ وتبديلٍ وتركٍ. فكانَ على المرءِ أنْ يتتبَّعَ أصولَ الدِّينِ الصَّحيحةَ وأنْ يَرجعَ إلى مصدرِهِ قدْرَ الإمكانِ، لكنَّ عامَّةَ ذلكَ لمْ يُنقلْ بالأسانيدِ. فإذا كانَ الأمرُ كذلكَ كيفَ يكونُ الحديثُ الّذي رُويَ بالإسنادِ - وربَّما بالأسانيدِ المختلِفةِ - وفيهِ شيءٌ مِنَ الضَّعفِ غيرِ الشَّديدِ يسقُطُ بالمرَّةِ ويُدَّعى أنَّهُ لا حجَّةَ فيهِ بحالٍ مِنَ الأحوالِ؟!

فهذا موضوعٌ لا بدَّ أنْ يُتأمَّلَ. ويُفهمُ هذا الأمرُ أيضًا مِنْ نصوصٍ أخرَى مثلِ ما رواهُ مسلمٌ عنْ عياضِ بنِ حمارٍ المجاشعيِّ عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: «أَلَا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا، كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلَالٌ، وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا، وَإِنَّ اللهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ ‌فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ».

فاللهُ أبغضَ عامَّةَ أهلِ الكتابِ لمخالفتِهِمْ للدِّينِ الحقِّ ولاتِّباعِهِمُ الدِّينَ المنحرفَ. فإذا لمْ يكنْ ما بقيَ عندَ هؤلاءِ مِنَ الدِّينِ معَ اختلاطِهِ بالباطلِ ومعَ أنَّهُ ليسَ مرويًّا بالأسانيدِ الّتي يعرفُها المسلمونَ كافيًا لقيامِ الحجَّةِ عليهمْ فكيفَ بما رُويَ بالأسانيدِ وإنْ كانَ فيهِ شيءٌ مِنَ الضَّعفِ. بلْ عامَّةُ ما يَعتمدُ عليهِ المؤرِّخونَ في الشَّرقِ والغربِ لا إسنادَ لهُ أصلًا وهذا أمرٌ معروفٌ، فنرى أُناسًا لا يستريبونَ أنَّ كذا وكذا وقَعَ لكنْ إذا نُقلَ إليهمْ شيءٌ بالإسنادِ المتَّصلِ الّذي ضَعُفَ حِفظُ راوٍ واحدٍ فيهِ أَسقَطوهُ، بلْ كثيرًا ما استهانُوا بهِ وجزَمُوا بِبطلانِهِ، حتّى معَ عِلْمِهم أنَّ أئمَّةَ السَّلفِ دوَّنوهُ في كتبِهِم واعتَبَرُوا بهِ. فبَدا لي عندَ الكلامِ على حديثِ سلمانَ الفارسيِّ أنَّهُ يَنبغِي أنْ يُنتبهَ إلى هذا الأمرِ المهمِّ، واللهُ تعالى أعلمُ.

الهوامش

  1. انظرِ البابَ «كلمةٌ حولَ كلامِ المُحقِّقينَ في أسانيدِ هذا التَّفسيرِ ومعاملةِ علماءِ السَّلفِ لأسانيدِ التَّفسيرِ» في مقدِّمةِ الرِّسالةِ.