ibnu-musafir.com

كيفَ تحرَّرَ مِنَ الرِّقِّ

فصل من النص الكامل لكتاب «قِصَّةُ إِسْلَامِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ» · قراءة الكتاب بصيغة PDF

ثُمَّ شَغَلَ سَلْمَانَ الرِّقُّ حَتَّى فَاتَهُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَدْرٌ، وَأُحُدٌ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «كَاتِبْ43 يَا سَلْمَانُ» فَكَاتَبْتُ صَاحِبِي عَلَى ثَلَاثِ مِائَةِ نَخْلَةٍ أُحْيِيهَا لَهُ بِالْفَقِيرِ44،

وَبِأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً45، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِأَصْحَابِهِ: «أَعِينُوا أَخَاكُمْ»

فَأَعَانُونِي بِالنَّخْلِ: الرَّجُلُ بِثَلَاثِينَ وَدِيَّةً46، وَالرَّجُلُ بِعِشْرِينَ، وَالرَّجُلُ بِخَمْسَ عَشْرَةَ، وَالرَّجُلُ بِعَشْرٍ، يَعْنِي: الرَّجُلُ بِقَدْرِ مَا عِنْدَهُ، حَتَّى اجْتَمَعَتْ لِي ثَلَاثُ مِائَةِ وَدِيَّةٍ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «اذْهَبْ يَا سَلْمَانُ فَفَقِّرْ لَهَا، فَإِذَا فَرَغْتَ فَأْتِنِي أَكُونُ أَنَا أَضَعُهَا بِيَدَيَّ» قَالَ: فَفَقَّرْتُ لَهَا، وَأَعَانَنِي أَصْحَابِي47، حَتَّى إِذَا فَرَغْتُ مِنْهَا جِئْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَعِي إِلَيْهَا فَجَعَلْنَا نُقَرِّبُ لَهُ الْوَدِيَّ وَيَضَعُهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِيَدِهِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ سَلْمَانَ بِيَدِهِ، مَا مَاتَتْ مِنْهَا وَدِيَّةٌ وَاحِدَةٌ،

فَأَدَّيْتُ النَّخْلَ، وَبَقِيَ عَلَيَّ الْمَالُ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِمِثْلِ بَيْضَةِ الدَّجَاجَةِ مِنْ ذَهَبٍ مِنْ بَعْضِ الْمَغَازِي، فَقَالَ: «مَا فَعَلَ الْفَارِسِيُّ الْمُكَاتِبُ؟» قَالَ: فَدُعِيتُ لَهُ، فَقَالَ: «خُذْ هَذِهِ فَأَدِّ بِهَا مَا عَلَيْكَ يَا سَلْمَانُ» فَقُلْتُ: وَأَيْنَ تَقَعُ هَذِهِ يَا رَسُولَ اللهِ مِمَّا عَلَيَّ؟48

قَالَ: «خُذْهَا، فَإِنَّ اللهَ سَيُؤَدِّي بِهَا عَنْكَ» قَالَ: فَأَخَذْتُهَا فَوَزَنْتُ لَهُمْ مِنْهَا، وَالَّذِي نَفْسُ سَلْمَانَ بِيَدِهِ، أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً49، فَأَوْفَيْتُهُمْ حَقَّهُمْ، وَعَتَقْتُ50، فَشَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْخَنْدَقَ، ثُمَّ لَمْ يَفُتْنِي مَعَهُ مَشْهَدٌ.

الهوامش

  1. «كَاتِبْ»: جاءَ في «الغريبينِ في القرآنِ والحديثِ»: «وقولُهُ: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: 33] ‌المكاتبةُ: أنْ يكاتِبَ الرَّجلُ عبدَهُ على مالٍ يؤدِّيهِ منجَّمًا عليهِ، فإذا أدَّاهُ فهوَ حرٌّ»، ويقالُ في السَّيِّدِ والعبدِ كلُّ واحدٍ منهُما يكاتبُ الآخرَ.
  2. «بِالْفَقِيرِ»: قالَ أبو عبيدٍ في «الغريبِ المصنَّفِ» عنِ الأصمعيِّ: «الْقَنَاةُ الَّتي تجري تحتَ الأرضِ وجمعُها قُنِيٌّ، ويقالُ لِفَمِها ‌الْفَقِيرُ وجمعُهُ فُقُرٌ»، وفي الكتابِ نفسِهِ في «كتابِ النَّخلِ»: «فإذا غرسَها ‌حَفَرَ لها بئرًا ... فتلكَ البئرُ هيَ ‌الْفَقِيرُ» أيِ الحُفرةُ الَّتي تُحفَرُ حولَ الفَسِيلةِ (أي النَّخلةِ الصغيرةِ) المغروسةِ لتَشربَ منهُ.

    وقالَ ابنُ سِيدَه في «المخصَّصِ»: «‌فَقَرْتُ ‌الأَرْضَ: حَفَرْتُها» وفي معناهُ «فقَّرَ تفقيرًا» ويأتي قريبًا في الحديثِ: «اذْهَبْ يَا سَلْمَانُ فَفَقِّرْ لَهَا».

  3. «أُوقِيَّةً»: مقدارٌ مِنَ الوزنِ عُرِفَ عندَ العربِ قديمًا، يُوزَنُ بهِ الذَّهبُ والفضَّةُ وسائرُ النفائسِ، وكانَ المقدارُ يختلفُ باختلافِ البلدانِ.
  4. «وَدِيَّةً»: قالَ أبو عبيدٍ في «الغريبِ المصنَّفِ»: «‌والوَدِيَّةُ الفَسِيلَةُ مِنَ النَّخْلِ» والجمعُ: «وَدِيٌّ».
  5. عندَ ابنِ إسحاقَ: «ففقَّرتُها وأعاننِي أصحابِي - يقولُ حفَرتُ لها حيثُ تُوضعُ».
  6. معناهُ أنَّ سلمانَ حسبَ هذهِ القِطعةَ منَ الذَّهبِ قليلًا بالمقارنةِ إلى ما وجبَ عليهِ دفعُهُ، إذْ أربعونَ أُوقيَّةً أكثرُ منْ ذلكَ بكثيرٍ.
  7. فكانَ ذلكَ أمرًا خارقًا للعادةِ ولذلك أَقسمَ سلمانُ، ويوضِّحُهُ ما رواهُ الحارثُ بنُ أبي أُسامةَ في «مسندِ الحارثِ»: «فَنَاوَلَنِي هُنَيْهَةً مِنْ ذَهَبٍ ‌فَلَوْ ‌وُزِنَتْ ‌بِأُحُدٍ لَكَانَتْ أَثْقَلَ مِنْهُ»، و«الهُنَيهَةُ» و«الهُنَيَّةُ»: الشَّيءُ القليلُ.
  8. «عَتَقْتُ»: يُقالُ: عَتَقَ العَبدُ يَعْتِقُ عِتْقًا وعَتاقًا وعَتاقَةً إذا تحرَّرَ.