ibnu-musafir.com

مِن كتابِ «فِي بَيَانِ مَعْنَى الْإِسْلَامِ» · قراءة الكتاب بصيغة PDF

«باب» (٤): مكانةُ «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» في دِينِ الإسلامِ

«فصل» (١): في عِظَمِ شأنِ «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»

قال اللَّهُ تعالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ٢٥﴾ [الأنبياء: ٢٥]

٣٦ - رَوَى التِّرْمِذِيُّ: «... سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: أَفْضَلُ الذِّكْرِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ الحَمْدُ لِلَّهِ». [سننُ التِّرْمِذِيِّ (ت ٢٧٩هـ)](١)

٣٧ - ورَوَى أَحْمَدُ أنّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: «إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ نُوحًا ﷺ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ لِابْنِهِ: إِنِّي قَاصٌّ عَلَيْكَ الْوَصِيَّةَ: آمُرُكَ بِاثْنَتَيْنِ، وَأَنْهَاكَ عَنِ اثْنَتَيْنِ، آمُرُكَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِنَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ، وَالْأَرْضِينَ السَّبْعَ، لَوْ وُضِعَتْ فِي كِفَّةٍ، وَوُضِعَتْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فِي كِفَّةٍ، رَجَحَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَوْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ، وَالْأَرْضِينَ السَّبْعَ، كُنَّ حَلْقَةً مُبْهَمَةً(٢)، قَصَمَتْهُنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، فَإِنَّهَا صَلَاةُ كُلِّ شَيْءٍ، وَبِهَا يُرْزَقُ الْخَلْقُ، وَأَنْهَاكَ عَنِ الشِّرْكِ وَالْكِبْرِ». [مسندُ أَحْمَدَ (ت ٢٤١هـ)، وبنحوِه عند الْبُخَارِيِّ في الأدبِ المفرَدِ]

٣٨ - وبوّبَ له النَّسَائِيُّ: «ذِكْرُ خَبَرِ أَبِي سَعِيدٍ فِي فَضْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»، ورَوَى فيه: «عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «قَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَذْكُرُكَ بِهِ وَأَدْعُوكَ بِهِ، قَالَ: يَا مُوسَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ، كُلُّ عِبَادِكَ يَقُولُ هَذَا، قَالَ: قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، إِنَّمَا أُرِيدُ شَيْئًا تَخُصُّنِي بِهِ، قَالَ: يَا مُوسَى لَوْ أَنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ وَعَامِرَهُنَّ غَيْرِي، وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ فِي كَفَّةٍ(٣)، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فِي كَفَّةٍ مَالَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»». [السّننُ الكُبرى، لِلنَّسَائِيِّ (ت ٣٠٣هـ)](٤)

٣٩ - ورَوَى اللَّالَكَائِيُّ عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُصَاحُ بِرَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُؤُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَنْشُرُ اللَّهُ لَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مَدُّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: لَكَ عُذْرٌ أَوْ حَسَنَةٌ؟ فَيَهَابُ الرَّجُلُ، فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: بَلَى إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَاتٍ، وَإِنَّهُ لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ فَتُخْرَجُ لَهُ بِطَاقَةُ(٥) أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولُ: مَا هَذِهِ الْبِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلَّاتِ؟ فَيَقُولُ: إِنَّكَ لَا تُظْلَمُ قَالَ: فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كِفَّةٍ، وَالْبِطَاقَةُ فِي كِفَّةٍ فَطَاشَتِ السِّجِلَّاتُ وَثَقُلَتِ الْبِطَاقَةُ»». [شرحُ أصولِ اعتقادِ أهلِ السّنَّةِ، لِلَّالَكَائِيِّ (ت ٤١٨هـ)](٦)

٤٠ - ورواه أيضًا الْآجُرِّيُّ فقال: «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِرَجُلٍ إِلَى الْمِيزَانِ، وَيُؤْتَى بِتِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ سِجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مِنْهَا مَدُّ الْبَصَرِ، فِيهَا خَطَايَاهُ وَذُنُوبُهُ، فَتُوضَعُ فِي كِفَّةِ الْمِيزَانِ، ثُمَّ يُخْرَجُ بِطَاقَةٌ بِقَدْرِ أُنْمُلَةٍ فِيهَا: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَتُوضَعُ فِي الْكِفَّةِ الْأُخْرَى، فَتَرْجَحُ بِخَطَايَاهُ وَذُنُوبِهِ»». [الشّريعةُ، لِلْآجُرِّيِّ (ت ٣٦٠هـ)]

وحديثُ البطاقةِ هذا قد أساءَ فهمَه بعضُ مَن ضلَّ الطّريقَ، وقد تقدّمَ أنّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ معناها التّوحيدُ عِلمًا وعملًا، وبذلك يُعلَمُ أنّ مَن جعلَها عند الكلامِ على هذا الحديثِ لفظًا مجرَّدًا، وجرّدَها مِن شروطِ العِلمِ واليقينِ والقصدِ ومِنَ العملِ بمقتضَاها، وتوهَّمَ أنّها تُفيدُ قائلَها مع تلبُّسِه بالشّركِ الأكبرِ وبما يَنقُضُها مِن أصلِها، فقد وقعَ بذلك في أعظمِ تحريفٍ لأساسِ الملّةِ. وما تجدُه في هذا الكتابِ يدورُ على هذا الأمرِ كلُّه ويَزيدُ المذكورَ هاهنا بيانًا شيئًا بعدَ شيءٍ، فاذكرْ هذا الحديثَ عند قراءةِ ما يأتِي.

٤١ - ورَوَى أَبُو نُعَيْمٍ: «... سَمِعْنَا سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ، يَقُولُ: مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ نِعْمَةً أَفْضَلَ مِنْ أَنْ عَرَّفَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ كَالْمَاءِ فِي الدُّنْيَا».

«قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: يُقَالُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فِي الْآخِرَةِ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ فِي الدُّنْيَا، لَا يَحْيَا شَيْءٌ فِي الدُّنْيَا إِلَّا عَلَى الْمَاءِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ٣٠﴾ [الأنبياء: ٣٠]، فَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ فِي الدُّنْيَا، مَنْ لَمْ تَكُنْ مَعَهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَهُوَ مَيِّتٌ، وَمَنْ كَانَتْ مَعَهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَهُوَ حَيٌّ». [حِلْيَةُ الأولياءِ، لِأَبِي نُعَيْمٍ (ت ٤٣٠هـ)]

الهوامش

  1. قال التِّرْمِذِيُّ: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ»، ورواه ابْنُ مَاجَه، وَالنَّسَائِيُّ في «السّننِ الكبرى» وفي «عملِ اليومِ واللّيلةِ»، وَالْحَاكِمُ وقال: «صَحِيحُ الْإِسْنَادِ». ↩
  2. «مُبْهَمَةً»: مُغلَقةً لا فُرجةَ فيها، قال الْخَلِيلُ في «العَيْنِ»: «وَبَابٌ مُبْهَمٌ: لَا يُهْتَدَى لِفَتْحِهِ». ↩
  3. وأكثرُهم يضبطونَها «كِفَّة» بكسرِ الكافِ، وهما لغتانِ. ↩
  4. ورواه النَّسَائِيُّ أيضًا في «عملِ اليومِ واللّيلةِ»، وَالطَّبَرَانِيُّ في «الدّعاءِ»، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ في «المصنَّفِ». وصحّحَه الْحَاكِمُ، وفي إسنادِه دَرَّاجٌ عن أَبِي الْهَيْثَمِ، وثّقَه ابْنُ مَعِينٍ في «تاريخِه»، وقال أَحْمَدُ: «أَحَادِيثُ دَرَّاجٍ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ فِيهَا ضَعْفٌ»، كما في «الكاملِ» لِابْنِ عَدِيٍّ. ↩
  5. قال شيخُ ابْنِ مَاجَه فيه مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ: «الْبِطَاقَةُ: الرُّقْعَةُ، وَأَهْلُ مِصْرَ يَقُولُونَ لِلرُّقْعَةِ: بِطَاقَةٌ»، ذكرَه ابْنُ مَاجَه بعدَ الحديثِ. ↩
  6. ورواه ابْنُ الْمُبَارَكِ في «الزّهدِ»، وَأَحْمَدُ في «المسندِ»، وَابْنُ مَاجَه، وَالتِّرْمِذِيُّ وقال: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ»، وَالْحَاكِمُ وقال: «صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ». وأوّلُه عند أَحْمَدَ وَالْحَاكِمِ: «إِنَّ اللَّهَ يَسْتَخْلِصُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُؤُوسِ الْخَلَائِقِ»، وعند التِّرْمِذِيِّ: «سَيُخَلِّصُ»، وعند ابْنِ الْمُبَارَكِ: «يَسْتَخِصُّ». ↩