ibnu-musafir.com

مِن كتابِ «فِي بَيَانِ مَعْنَى الْإِسْلَامِ» · قراءة الكتاب بصيغة PDF

«باب» (٥): بيانُ أصلِ لفظِ الإسلامِ في اللّغةِ ووُرودُه في القرآنِ

«فصل» (٣): ما يَلزمُ المخالِفَ في هذه الآيةِ

قد بيّنَ اللَّهُ تعالَى أنّ المسلمَ والمشركَ ضدّانِ، وذكرَ الفارقَ بينَهما وهو فِعْلُ الشّركِ(١). المسلمُ يتّصفُ بالإخلاصِ بخلافِ المشركِ. وذكرَ اللَّهُ تعالَى في الآيةِ أيضًا أنّ أكثرَ المشركينَ لا يَعلمونَ حقيقةَ حالِهم، كما سبقَ. فالذين يجوِّزونَ وجودَ «مسلمٍ مشركٍ» بحجّةِ أنّه معذورٌ بجهلِه بالإسلامِ، يَلزَمُهم مخالفةُ الآيةِ مخالفةً صريحةً مِن وجوهٍ:

•على قولِهم لا يُمكِنُ أن يَشملَ هذا المثَلُ المشركَ الجاهلَ، مع أنّ اللَّهَ تعالَى يجعلُه مِنه بوضوحٍ. المشركُ - عالمًا كان أو جاهلًا - لا يَعبدُ اللَّهَ وحدَه، فلا يُمكِنُ أن يكونَ مسلمًا مخلِصًا للَّهِ.

•أكثرُ المشركينَ يَجهلونَ هذه الحقيقةَ ويقعونَ في الشّركِ بسببِ هذا الجهلِ، كما بيّنَه الطَّبَرِيُّ، لكنّ هؤلاء المشركينَ الجهّالَ يَلزَمُ على هذا القولِ الباطلِ أن يكونوا بجهلِهم مسلمينَ.

•قولُهم يقتضِي ألّا يكونَ بينَ المشركِ الجاهلِ والمسلمِ فرقٌ وأنّهما يستويانِ، مع أنّ اللَّهَ تعالَى يصرّحُ في الآيةِ أنّ هذا المشركَ ليس مسلمًا قطعًا، بل أنّه ضدُّ المسلمِ.

•ثمّ يجبُ عليهم تخطئةُ جميعِ مَن سلفَ مِن أهلِ العِلمِ، لأنّ كلامَ أهلِ العِلمِ في الآيةِ لا يحتملُ معنًى آخرَ، فلا يُمكِنُ أنّهم تصوّرُوا وجودَ أناسٍ هم مشركونَ ومسلمونَ في وقتٍ واحدٍ، بل مَن قرأَ كلامَهم عَلِمَ أنّ مِثلَ هذا لم يَخطُرْ على بالِهم أصلًا.

وهذا يبيِّنُ أنّ كونَ التّوحيدِ أساسَ دِينِ الإسلامِ وكونَ الإسلامِ يستحيلُ تحقُّقُه مع وجودِ الشّركِ، كان عند المتقدِّمينَ مِن أوضحِ الأمورِ. حتّى أهلُ البدعةِ ما خطرَ ببالِهم أن يجعلُوا مشركًا ما مسلمًا.

وبهذا تكونُ الآيةُ حجّةً قاطعةً في هذا الأمرِ.

الهوامش

  1. معلومٌ أنّ أحكامَ الدّنيا لا يُمكِنُ أن تُعلَّقَ بالباطنِ، إذ ليس في مقدورِ البشرِ معرفةُ ما في باطنِ الإنسانِ، ولذلك لم نُؤمَرْ أن نَشُقَّ عن قلوبِ النّاسِ، كما قال النّبيُّ ﷺ: «إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ، وَلَا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ»، رواه مُسْلِمٌ، متّفقٌ عليه، وعلماءُ السّلفِ قد نبّهُوا إلى ذلك مرارًا، ومِن ذلك قولُ الشَّافِعِيِّ في كتابِه «الأُمِّ»:

    «وَأَحْكَامُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ تَدُلُّ عَلَى أَنْ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى أَحَدٍ إلَّا بِظَاهِرٍ، وَالظَّاهِرُ مَا أَقَرَّ بِهِ أَوْ مَا قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ تُثْبِتُ عَلَيْهِ، فَالْحُجَّةُ فِيمَا وَصَفْنَا مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَفِي الرَّجُلِ الَّذِي اسْتَفْتَى فِيهِ الْمِقْدَادُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ قَطَعَ يَدَهُ عَلَى الشِّرْكِ، وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «فَهَلَّا كَشَفْتَ عَنْ قَلْبِهِ؟» يَعْنِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَكَ إلَّا ظَاهِرُهُ».

    وعلى هذا يُتَصوَّرُ أنّ شخصًا ما يُعتَبَرُ مسلمًا في الظّاهرِ مع أنّه لم يَفهمِ التّوحيدَ في نفسِ الأمرِ ويَفعلُ الشّركَ جهلًا، لكن لا يُحكَمُ عليه بذلك ما لم يَظهَرْ مِنه، فيَبقَى مسلمًا في الظّاهرِ. وهو بهذا الاعتبارِ كالمنافقِ الذي لم يَقبلِ الإسلامَ في باطنِه مع إظهارِه له، والمنافقُ الخالصُ يُعتَبَرُ مسلمًا في الظّاهرِ حتّى يُثبِتَ الدّليلُ خلافَ ذلك. ↩