ibnu-musafir.com

مِن كتابِ «فِي بَيَانِ مَعْنَى الْإِسْلَامِ» · قراءة الكتاب بصيغة PDF

«باب» (٥): بيانُ أصلِ لفظِ الإسلامِ في اللّغةِ ووُرودُه في القرآنِ

«فصل» (٢): استعمالُ «سَلِمَ» في القرآنِ في قولِه تعالَى ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ ومَثَلُ المسلمِ والمشركِ

وردَ في القرآنِ «سَلَمٌ» الذي هو مصدرُ «سَلِمَ». قال تعالَى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ٢٩﴾ [الزمر: ٢٩]

٤٨ - وقال الطَّبَرِيُّ: «يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَثَّلَ اللَّهُ مَثَلًا لِلْكَافِرِ بِاللَّهِ الَّذِي يَعْبُدُ آلِهَةً شَتَّى، وَيُطِيعُ جَمَاعَةً مِنَ الشَّيَاطِينِ، وَالْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَعْبُدُ إِلَّا اللَّهَ الْوَاحِدَ،

يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ [الزمر: ٢٩] لِهَذَا الْكَافِرِ ﴿رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ يَقُولُ: هُوَ بَيْنَ جَمَاعَةٍ مَالِكِينَ مُتَشَاكِسِينَ، يَعْنِي مُخْتَلِفِينَ مُتَنَازِعِينَ، سَيِّئَةً أَخْلَاقُهُمْ، مِنْ قَوْلِهِمْ: رَجُلٌ شَكِسٌ: إِذَا كَانَ سَيِّئَ الْخُلُقِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَسْتَخْدِمُهُ بِقَدْرِ نَصِيبِهِ وَمُلْكِهِ فِيهِ،

﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾، يَقُولُ: وَرَجُلًا خُلُوصًا لِرَجُلٍ يَعْنِي الْمُؤْمِنَ الْمُوَحِّدَ الَّذِي أَخْلَصَ عِبَادَتَهُ لِلَّهِ، لَا يَعْبُدُ غَيْرَهُ وَلَا يَدِينُ لِشَيْءٍ سِوَاهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ،

وَاخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا﴾ فَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ قَرَأَةِ أَهْلِ مَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ: ﴿وَرَجُلًا سَالِمًا لِرَجُلٍ﴾(١) وَتَأَوَّلُوهُ بِمَعْنَى: رَجُلًا خَالِصًا لِرَجُلٍ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ... أَنَّهُ قَرَأَهَا: ﴿سَالِمًا لِرَجُلٍ﴾ يَعْنِي بِالْأَلِفِ، وَقَالَ: لَيْسَ فِيهِ لِأَحَدٍ شَيْءٌ، وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قَرَأَةِ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ: ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ بِمَعْنَى: صُلْحًا، وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ، قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عُلَمَاءُ مِنَ الْقَرَأَةِ، مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَهُوَ مُصِيبٌ، وَذَلِكَ أَنَّ السَّلَمَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: سَلِمَ فُلَانٌ لِلَّهِ سَلَمًا بِمَعْنَى: خَلَصَ لَهُ خُلُوصًا». [تفسيرُ الطَّبَرِيِّ (ت ٣١٠هـ)]

وقد صرّحَ الطَّبَرِيُّ هنا بأنّ الرّجلَ الثّانيَ في المثَلِ هو المؤمنُ الموحِّدُ الذي أخلصَ عبادتَه للَّهِ، فهو المسلمُ الذي طهّرَ جميعَ أعمالِه مِنَ الشّركِ، ليس له إلهٌ آخرُ ولا شريكٌ.

وهذا المعنى ظاهرٌ عند أهلِ اللّغةِ.

٤٩ - قال الْفَرَّاءُ: «هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْكَافِرِ وَالْمُؤْمِنِ، فَجَعَلَ الَّذِي فِيهِ شُرَكَاءُ الَّذِي يَعْبُدُ الْآلِهَةَ الْمُخْتَلِفَةَ، وَقَوْلُهُ: ﴿رَجُلًا سَالِمًا لِرَجُلٍ﴾ [الزمر: ٢٩] هُوَ الْمُؤْمِنُ الْمُوَحِّدُ». [معاني القرآنِ، لِلْفَرَّاءِ (ت ٢٠٧هـ)]

٥٠ - وقال الزَّجَّاجُ: «وَتَفْسِيرُ هَذَا الْمَثَلِ أَنَّهُ ضُرِبَ لِمَنْ وَحَّدَ اللَّهَ، وَلِمَنْ جَعَلَ لَهُ شَرِيكًا، فَالَّذِي وَحَّدَ اللَّهَ مَثَلُهُ مَثَلُ السَّالِمِ لِرَجُلٍ لَا يَشْرَكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ، وَمَثَلُ الَّذِي عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ مَثَلُ صَاحِبِ الشُّرَكَاءِ الْمُتَشَاكِسِينَ ... وَقَوْلُهُ: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [الزمر: ٢٩] أَيْ: هَلْ يَسْتَوِي مَثَلُ الْمُوَحِّدِ وَمَثَلُ الْمُشْرِكِ».

[معاني القرآنِ وإعرابُه، لِلزَّجَّاجِ (ت ٣١١هـ)](٢)

فاللَّهُ تعالَى يَضربُ مَثَلًا للمسلمِ والمشركِ مبيِّنًا للفرقِ بينَهما، ثمّ يؤكِّدُ هذا الفرقَ بقولِه: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ﴾ [الزمر: ٢٩]. وقد جاء عن بعضِ السّلفِ في معنَى الآيةِ مِثلُ ما ذكرَه الطَّبَرِيُّ.

٥١ - كما رَوَى الطَّبَرِيُّ نفسُه عند هذه الآيةِ: «عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] قَالَ: هَذَا الْمُشْرِكُ تَتَنَازَعُهُ الشَّيَاطِينُ، لَا يُقِرُّ بِهِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، ﴿وَرَجُلًا سَالِمًا لِرَجُلٍ﴾(٣) قَالَ: هُوَ الْمُؤْمِنُ، أَخْلَصَ الدَّعْوَةَ لِلَّهِ وَالْعِبَادَةَ». [تفسيرُ الطَّبَرِيِّ (ت ٣١٠هـ)]

٥٢ - «قَالَ ابْنُ زَيْدٍ(٤)، فِي قَوْلِهِ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَالِمًا لِرَجُلٍ﴾(٥) [الزمر: ٢٩] قَالَ: «أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ الَّذِي فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ كُلُّهُمْ سَيِّئُ الْخُلُقِ، لَيْسَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ يَلْقَاهُ إِلَّا أَخَذَ بِطَرَفٍ مِنْ مَالٍ - إِلَّا اسْتَخْدَمَهُ - أَسَوَاءٌ هُمْ وَالَّذِي لَا يَمْلِكُهُ إِلَّا وَاحِدٌ، فَإِنَّمَا هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الْآلِهَةَ، وَجَعَلُوا لَهَا فِي أَعْنَاقِهِمْ حُقُوقًا، فَضَرَبَهُ اللَّهُ مَثَلًا لَهُمْ، وَلِلَّذِي يَعْبُدُهُ وَحْدَهُ ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ٢٩﴾ [الزمر: ٢٩]» وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَرَجُلًا سَالِمًا لِرَجُلٍ﴾ يَقُولُ: لَيْسَ مَعَهُ شِرْكٌ». [تفسيرُ الطَّبَرِيِّ (ت ٣١٠هـ)]

٥٣ - ثمَّ قال الطَّبَرِيُّ: «﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ٢٩﴾ [الزمر: ٢٩] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَمَا يَسْتَوِي هَذَا الْمُشْتَرَكُ فِيهِ، وَالَّذِي هُوَ مُنْفَرِدٌ مِلْكُهُ لِوَاحِدٍ، بَلْ أَكْثَرُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُمَا لَا يَسْتَوِيَانِ، فَهُمْ بِجَهْلِهِمْ بِذَلِكَ يَعْبُدُونَ آلِهَةً شَتَّى مِنْ دُونِ اللَّهِ». [تفسيرُ الطَّبَرِيِّ (ت ٣١٠هـ)]

وفي كلامِه هذا أوضحُ بيانٍ أنّ عامّةَ أهلِ الشّركِ إنّما يُشرِكونَ باللَّهِ لجهلِهم بحقيقةِ فِعْلِهم وعِظَمِ قُبحِه، ولم يَجعلْهم بجهلِهم هذا مسلمينَ معذورينَ في شيءٍ، مع انتسابِهم لدِينِ إِبْرَاهِيمَ الذي هو الإسلامُ العامُّ في حقيقتِه وأصلِه(٦).

٥٤ - وقال الطَّبَرِيُّ في قولِه تعالَى: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ١٠٤﴾ [الكهف: ١٠٤]: «يَقُولُ: وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ بِفِعْلِهِمْ ذَلِكَ لِلَّهِ مُطِيعُونَ، وَفِيمَا نَدَبَ عِبَادَهُ إِلَيْهِ مُجْتَهِدُونَ. وَهَذَا مِنْ أَدَلِّ الدَّلَائِلِ عَلَى خَطَأِ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ بِاللَّهِ أَحَدٌ إِلَّا مِنْ حَيْثُ يَقْصِدُ إِلَى الْكُفْرِ بَعْدَ الْعِلْمِ بِوَحْدَانِيَّتِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ عَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ سَعْيَهُمُ الَّذِي سَعَوْا فِي الدُّنْيَا ذَهَبَ ضَلَالًا، وَقَدْ كَانُوا يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُحْسِنُونَ فِي صُنْعِهِمْ ذَلِكَ، وَأَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ، وَلَوْ كَانَ الْقَوْلُ كَمَا قَالَ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ بِاللَّهِ أَحَدٌ إِلَّا مِنْ حَيْثُ يَعْلَمُ، لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ فِي عَمَلِهِمُ الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَحْسَبُونَ فِيهِ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعَهُ، كَانُوا مُثَابِينَ مَأْجُورِينَ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّ الْقَوْلَ بِخِلَافِ مَا قَالُوا، فَأَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ بِاللَّهِ كَفَرَةٌ، وَأَنَّ أَعْمَالَهُمْ حَابِطَةٌ». [تفسيرُ الطَّبَرِيِّ (ت ٣١٠هـ)]

الهوامش

  1. قال ابْنُ مُجَاهِدٍ (ت ٣٢٤هـ) في «السّبعة»: «قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو ﴿سَالِمًا﴾ بِأَلِفٍ وَلَامٍ مَكْسُورَةٍ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿سَلَمًا﴾ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ مَفْتُوحَةٍ»، والآيةُ هنا على رسمِ مُصحَفِ الدُّورِيِّ عن أَبِي عَمْرٍو وضَبطِه. ↩
  2. نقلَه عنه الْأَزْهَرِيُّ في «تهذيبِ اللّغةِ» في مادّةِ «سلم»، وبقيَ هذا المعنى معروفًا عند المتأخِّرينَ، مِثلِ ابْنِ مَنْظُورٍ، فإنّه يذكرُه في «لسانِ العربِ» في المادّةِ نفسِها ناقلًا عن الزَّجَّاجِ. ↩
  3. كذا ﴿سَالِمًا﴾ في طبعتَيِ التركي وشاكر، وعند عَبْدِ الرَّزَّاقِ في «تفسيرِه» وَابْنِ قُتَيْبَةَ في «غريبِ القرآنِ»، وقَتَادَةُ بَصْرِيٌّ، وهي قراءةُ أهلِ البصرةِ أَبِي عَمْرٍو ويَعْقُوبَ. ↩
  4. هو عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، مِن أهلِ التّفسيرِ، وقد أكثرَ الطَّبَرِيُّ النّقلَ عنه. ↩
  5. كذا في الموضعَينِ في طبعةِ التركي، وفي طبعةِ شاكر في الأوّلِ: ﴿سَلَمًا﴾، وفي الثّاني: ﴿سَالِمًا﴾، فجعلتُهما جميعًا ﴿سَالِمًا﴾ على ما في طبعةِ التركي، إذ لا تجتمعُ قراءتانِ في روايةٍ واحدةٍ، وإن كان ابْنُ زَيْدٍ مَدَنيًّا، وأهلُ المدينةِ يقرؤونَ: ﴿سَلَمًا﴾، كما سبقَ عند الطَّبَرِيِّ برقمِ (٤٨)، واللَّهُ أعلمُ. ↩
  6. انظرِ البابَ (١٠)، الفصلَ (٤) «قصّةُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ وأنّ الحنفاءَ عَرفُوا معنَى الإسلامِ»، والبابَ (١١) «الإسلامُ العامُّ دِينُ الأنبياءِ جميعًا». ↩