ibnu-musafir.com

مِن كتابِ «فِي بَيَانِ مَعْنَى الْإِسْلَامِ» · قراءة الكتاب بصيغة PDF

«باب» (١١): الإسلامُ العامُّ دِينُ الأنبياءِ جميعًا

وكونُ الإسلامِ دِينَ الأنبياءِ جميعًا كثيرٌ جدًّا في القرآنِ، ويأتِي إمّا تصريحًا باسمِ الإسلامِ أو بأمرِ اللَّهِ تعالَى لهم بلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أو بعبادةِ اللَّهِ وحدَه أو بتركِ الشّركِ، كما يُذكَرُ في الفصلَينِ الآتيَينِ. ودِينُ الأنبياءِ واحدٌ وإن اختلفتْ شرائعُهم،

١٢٢ - كما رَوَى الْبُخَارِيُّ: «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ»». [صحيحُ الْبُخَارِيِّ (ت ٢٥٦هـ)، متّفقٌ عليه]

١٢٣ - وقال الْخَطَّابِيُّ في شرحِ الحديثِ: «أَوْلَادُ الْعَلَّاتِ: الْإِخْوَةُ مِنْ أَبٍ وَاحِدٍ وَأُمَّهَاتٍ شَتَّى ... يُرِيدُ أَنَّ أَصْلَ دِينِ الْأَنْبِيَاءِ وَاحِدٌ، وَإِنْ كَانَتْ شَرَائِعُهُمْ مُخْتَلِفَةً، كَمَا أَنَّ أَوْلَادَ الْعَلَّاتِ أَبُوهُمْ وَاحِدٌ وَإِنْ كَانَتْ أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى». [أعلامُ الحديثِ، لِلْخَطَّابِيِّ (ت ٣٨٨هـ)]

فشرائعُهم تختلفُ ودِينُهم واحدٌ وهو الإسلامُ العامُّ، دعوةُ النّاسِ إلى توحيدِ العبادةِ.

١٢٤ - وهذا بعينِه ما رَوَاه ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: «عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] قَالَ: الدِّينُ وَاحِدٌ وَالشَّرَائِعُ مُخْتَلِفَةٌ

عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ يَقُولُ: سَبِيلًا وَسُنَّةً، وَالسُّنَنُ مُخْتَلِفَةٌ فِي التَّوْرَاةِ شَرِيعَةٌ، وَلِلْإِنْجِيلِ شَرِيعَةٌ، وَالْفُرْقَانُ شَرِيعَةٌ، يُحِلُّ اللَّهُ فِيهَا مَا شَاءَ وَيُحَرِّمُ مَا شَاءَ، لِيَعْلَمَ مَنْ يُطِيعُهُ مِمَّنْ يَعْصِيهِ، وَالدِّينُ الَّذِي لَا يُقْبَلُ غَيْرُهُ التَّوْحِيدُ وَالْإِخْلَاصُ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ». [تفسيرُ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ (ت ٣٢٧هـ)، وبمِثلِه عند عَبْدِ الرَّزَّاقِ والطَّبَرِيِّ]

١٢٥ - وقال الطَّبَرِيُّ: «... ثُمَّ ذَكَرَ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا ﷺ ... وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ قَدْ جَعَلَ لَهُ وَلِأُمَّتِهِ شَرِيعَةً غَيْرَ شَرَائِعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأُمَمِ قَبْلَهُ الَّذِينَ قَصَّ عَلَيْهِ قَصَصَهُمْ، وَإِنْ كَانَ دِينُهُ وَدِينُهُمْ - فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ وَالْإِقْرَارِ بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِهِ وَالِانْتِهَاءِ إِلَى أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ - وَاحِدًا، فَهُمْ مُخْتَلِفُو الْأَحْوَالِ فِيمَا شُرِعَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَلِأُمَّتِهِ فِيمَا أُحِلَّ لَهُمْ وَحُرِّمَ عَلَيْهِمْ».

ورَوَى: «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] قَالَ: سُنَّةً وَسَبِيلًا

عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ قَالَ: الشِّرْعَةُ السُّنَّةُ، ﴿وَمِنْهَاجًا﴾ قَالَ: السَّبِيلُ».

ورَوَى عنِ ابْنِ زَيْدٍ: «فِي قَوْلِ اللَّهِ عز وجل ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١] قَالَ: بِكِتَابِهِمُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ فِيهِ أَمْرُ اللَّهِ وَنَهْيُهُ وَفَرَائِضُهُ، وَالَّذِي عَلَيْهِ يُحَاسَبُونَ، وَقَرَأَ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] قَالَ: الشِّرْعَةُ: الدِّينُ، وَالْمِنْهَاجُ: السُّنَّةُ، وَقَرَأَ: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] قَالَ: فَنُوحٌ أَوَّلُهُمْ، وَأَنْتَ آخِرُهُمْ». [تفسيرُ الطَّبَرِيِّ (ت ٣١٠هـ)](١)

فصولُ هذا البابِ

الهوامش

  1. وقولُ ابْنِ عَبَّاسٍ ذكرَه الْبُخَارِيُّ في أوّلِ «كتابِ الإيمانِ» مِن «صحيحِه»: «﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]: سَبِيلًا وَسُنَّةً». ↩