ibnu-musafir.com

مِن كتابِ «فِي بَيَانِ مَعْنَى الْإِسْلَامِ» · قراءة الكتاب بصيغة PDF

«باب» (١٠): معرفةُ مشركِي العربِ والعجمِ معنَى الشّهادةِ وفهمُهم لِما خاطبَهم به الأنبياءُ عليهم السلام

«فصل» (١٤): في عِظَمِ جُرمِ مَن كفّرَ المسلمَ

١١٦ - قال الْبُخَارِيُّ: «بَابٌ مَنْ كَفَّرَ أَخَاهُ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ فَهُوَ كَمَا قَالَ»

«عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهِ أَحَدُهُمَا»

وفي الحديثِ الذي بعدَه: «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ أَيُّمَا رَجُلٍ قَالَ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا»

ثمّ قال في البابِ التّالِي: «بَابُ مَنْ لَمْ يَرَ إِكْفَارَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ مُتَأَوِّلًا أَوْ جَاهِلًا وَقَالَ عُمَرُ لِحَاطِبٍ إِنَّهُ مُنَافِقٌ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ قَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ». [صحيحُ الْبُخَارِيِّ (ت ٢٥٦هـ)]

١١٧ - ورَوَى أَحْمَدُ: «عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَفَّرَ أَخَاهُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا»». [مسندُ أَحْمَدَ (ت ٢٤١هـ)]

١١٨ - وعند مُسْلِمٍ: «عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا كَفَّرَ الرَّجُلُ أَخَاهُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا»». [صحيحُ مُسْلِمٍ (ت ٢٦١هـ)، متّفقٌ عليه]

١١٩ - وبوّبَ أَبُو عَوَانَةَ: «بَيَانُ الْمَعَاصِي الَّتِي إِذَا قَالَهَا الرَّجُلُ وَعَمِلَهَا كَانَ كُفْرًا وَفِسْقًا وَاسْتَوْجَبَ بِهَا النَّارَ». [مُستَخرَجُ أَبِي عَوَانَةَ (ت ٣١٦هـ)]

١٢٠ - وقال الْبُخَارِيُّ في «كتابِ الإيمانِ»: «بَابٌ: الْمَعَاصِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ وَلَا يُكَفَّرُ صَاحِبُهَا بِارْتِكَابِهَا إِلَّا بِالشِّرْكِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ»، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]». [صحيحُ الْبُخَارِيِّ (ت ٢٥٦هـ)]

يَظهرُ بهذه الأحاديثِ والرّواياتِ أنّ تكفيرَ المسلمِ الذي يَعبدُ اللَّهَ ولا يُشرِكُ به شيئًا ولم يقعْ مِنه ما يناقضُ شهادةَ الإسلامِ جريمةٌ شنيعةٌ وإثمٌ كبيرٌ.

أمّا إذا أَخرجَه عن الإسلامِ لناقضٍ مِن نواقضِ الإسلامِ، فهذا أمرٌ آخرُ كما لا يَخفَى. وإذا كان هذا النّاقضُ أنّه يَجهلُ معنَى التّوحيدِ ويَعبدُ غيرَ اللَّهِ، فهذا أَولَى وأظهرُ، لأنّ مِثلَ هذا لم يتحقّقْ فيه الإسلامُ يومًا، وهو ممّا يدورُ عليه هذا الكتابُ. ففي هذه الحالةِ أَخرجَه(١) مِنَ الإسلامِ بحقٍّ ولا تَشملُه هذه الأحاديثُ.

فمَن أَقرَّ أنّ رجلًا آخرَ قد حقّقَ التّوحيدَ لكن يَرَى مِنه ما يناقضُ توحيدَه فهو يَنفِي عنه الإسلامَ لوجودِ هذا النّاقضِ لا لعدمِ تحقُّقِ التّوحيدِ مِنه أصلًا، فليُتَنبَّهْ لذلك.

وبه يُعلَمُ جهلُ مَن يُشبِّهُ على النّاسِ في مِثلِ هذا، يُريدُ أن يقولَ: «إنّ مَن أَثبتَ لعابدِ الوثنِ الإسلامَ هو كمَن نفَى عن المسلمِ الإسلامَ، مِثلًا بمِثلٍ»، وليس الأمرُ كذلك، وهذا لا يَخفَى على عامّةِ المسلمينَ فضلًا عمَّن اشتغلَ بالعِلمِ مِنهم.

ومثالُ ذلك الخوارجُ فإنّهم كفّرُوا كثيرًا مِنَ المسلمينَ بل مِن أفضلِ المسلمينَ مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ، لكنّ الخوارجَ فهِمُوا معنَى التّوحيدِ في الأصلِ وعَلِمُوا أنّ الصّحابةَ رضي الله عنهم قد حقّقُوا هذا المعنَى. وموضعُ غلطِهم ظنُّهم أنّ هؤلاء المسلمينَ وقعُوا في ما يناقضُ توحيدَهم بعدَ أن تحقّقَ. فمَن ظنَّ أنّ الخوارجَ رأَوُا الإسلامَ والتّوحيدَ نفسَه شركًا أو أنّهم لم يَعرفُوه أصلًا فقد أَخطأَ ولم يَفهمْ حقيقةَ قولِهم.

١٢١ - ورَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ: «عَنْ مَعْمَرٍ عَمَّنْ سَمِعَ الْحَسَنَ قَالَ: لَمَّا قَتَلَ عَلِيٌّ الْحَرُورِيَّةَ قَالُوا: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ أَكُفَّارٌ هُمْ؟ قَالَ: مِنَ الْكُفْرِ فَرُّوا. قِيلَ: فَمُنَافِقِينَ؟ قَالَ: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا وَهَؤُلَاءِ يَذْكُرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا. قِيلَ: فَمَا هُمْ؟ قَالَ: قَوْمٌ أَصَابَتْهُمْ فِتْنَةٌ، فَعَمُوا فِيهَا وَصَمُّوا». [مُصَنَّفُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ (ت ٢١١هـ)](٢)

أمّا مَن قال للمسلمِ «يَا كَافِرُ» ظنًّا أنّ قيامَه بالتّوحيدِ نفسَه هو الكفرُ، فهذا لا يستريبُ في كفرِه أحدٌ مِنَ المسلمينَ.

وبه يَفهمُ مَن له عقلٌ ودِينٌ أنّ مَن حَكمَ لعابدِ الوثنِ بالإسلامِ، مع معرفتِه التّامّةِ لحالِه وإقرارِه أنّه يرتكبُ الشّركَ الأكبرَ، فمُحالٌ أن يُقالَ فيه: «إنّما تأوّلَ أو اشتبهتْ عليه الأمورُ، لكنّه يَعرفُ الإسلامَ في الأصلِ».

الهوامش

  1. بمعنَى أنّه نفَى عنه الإسلامَ، لا بمعنَى أنّه أَخرجَه مِنه بعدَ أن كان داخلًا فيه. ↩
  2. ورواه أيضًا مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ في «تعظيمِ قَدْرِ الصّلاةِ» مِن طريقِ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ وأَبِي وَائِلٍ وغيرِهما عن عَلِيٍّ، وفيه: «مِنَ الشِّرْكِ فَرُّوا». ↩