ibnu-musafir.com

مِن كتابِ «فِي بَيَانِ مَعْنَى الْإِسْلَامِ» · قراءة الكتاب بصيغة PDF

«باب» (١٠): معرفةُ مشركِي العربِ والعجمِ معنَى الشّهادةِ وفهمُهم لِما خاطبَهم به الأنبياءُ عليهم السلام

«فصل» (٤): قصّةُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ وأنّ الحنفاءَ عَرفُوا معنَى الإسلامِ

لمّا خرجَ زَيْدُ بْنُ عَمْرٍو باحثًا عن الدِّينِ لقِيَ عالِمًا يهوديًّا وعالِمًا نصرانيًّا، فسألَ كلَّ واحدٍ مِنهما، فدلَّه كلُّ واحدٍ مِنهما على الحنيفيّةِ.

٨٩ - أَخرجَ الْبُخَارِيُّ: «عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ يَسْأَلُ عَنِ الدِّينِ وَيَتْبَعُهُ، فَلَقِيَ عَالِمًا مِنَ الْيَهُودِ فَسَأَلَهُ عَنْ دِينِهِمْ، فَقَالَ: إِنِّي لَعَلِّي أَنْ أَدِينَ دِينَكُمْ فَأَخْبِرْنِي. فَقَالَ: لَا تَكُونُ عَلَى دِينِنَا حَتَّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ. قَالَ زَيْدٌ: مَا أَفِرُّ إِلَّا مِنْ غَضَبِ اللَّهِ، وَلَا أَحْمِلُ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ شَيْئًا أَبَدًا وَأَنَّى أَسْتَطِيعُهُ؟

فَهَلْ تَدُلُّنِي عَلَى غَيْرِهِ؟ قَالَ: مَا أَعْلَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَنِيفًا. قَالَ زَيْدٌ: وَمَا الْحَنِيفُ؟ قَالَ: دِينُ إِبْرَاهِيمَ، لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَا يَعْبُدُ إِلَّا اللَّهَ.

فَخَرَجَ زَيْدٌ فَلَقِيَ عَالِمًا مِنَ النَّصَارَى فَذَكَرَ مِثْلَهُ، فَقَالَ: لَنْ تَكُونَ عَلَى دِينِنَا حَتَّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ. قَالَ: مَا أَفِرُّ إِلَّا مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ، وَلَا أَحْمِلُ مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ وَلَا مِنْ غَضَبِهِ شَيْئًا أَبَدًا وَأَنَّى أَسْتَطِيعُ؟

فَهَلْ تَدُلُّنِي عَلَى غَيْرِهِ؟ قَالَ: مَا أَعْلَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَنِيفًا. قَالَ: وَمَا الْحَنِيفُ؟ قَالَ: دِينُ إِبْرَاهِيمَ، لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَا يَعْبُدُ إِلَّا اللَّهَ.

فَلَمَّا رَأَى زَيْدٌ قَوْلَهُمْ فِي إِبْرَاهِيمَ عليه السلام خَرَجَ، فَلَمَّا بَرَزَ رَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْهَدُ أَنِّي عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ». [صحيحُ الْبُخَارِيِّ (ت ٢٥٦هـ)](١)

فَزَيْدُ بْنُ عَمْرٍو فهِمَ معنَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، بل العالِمُ مِنَ اليهودِ والعالِمُ مِنَ النّصارَى عَلِمَا معنَى التّوحيدِ وأنّه ملّةُ إِبْرَاهِيمَ.

٩٠ - رَوَى أَحْمَدُ عن سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وهو ابنُه: «قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبِي كَانَ كَمَا قَدْ رَأَيْتَ وَبَلَغَكَ، وَلَوْ أَدْرَكَكَ لآمَنَ بِكَ وَاتَّبَعَكَ، فَاسْتَغْفِرْ لَهُ، قَالَ: «نَعَمْ، فَأَسْتَغْفِرُ لَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُمَّةً وَحْدَهُ»». [مسندُ أَحْمَدَ (ت ٢٤١هـ)](٢)

٩١ - وبوّبَ له ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ بقولِه: «وَمِنْ ذِكْرِ زَيْدِ بْنِ نُفَيْلٍ رضي الله عنه»

«عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَانَ يَسْتَقْبِلُ الْكَعْبَةَ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِلَهِي إِلَهُ إِبْرَاهِيمَ، وَدِينِي دِينُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَيُصَلِّي وَيَسْجُدُ، قَالَ: وَقَالَ: «ذَاكَ أُمَّةٌ وَحْدَهُ، يُحْشَرُ بَيْنِي وَبَيْنَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ»»(٣) [الآحادُ والمَثاني، لِابْنِ أَبِي عَاصِمٍ (ت ٢٨٧هـ)]

٩٢ - وبوّبَ له ابْنُ مَنْدَه بقولِه: «ذِكْرُ اسْتِدْلَالِ مَنْ لَمْ تَبْلُغُهُ الدَّعْوَةُ وَلَمْ يَأْتِهِ رَسُولٌ». [كتابُ التَّوحيدِ، لِابْنِ مَنْدَه (ت ٣٩٥هـ)]

ثمّ دلَّ حديثُ أَسْمَاءَ الذي يلِي القصّةَ المذكورةَ عند الْبُخَارِيِّ على أنّ زَيْدًا لمّا دخلَ في دِينِ الحنفاءِ وخرجَ مِن دِينِ عَبَدةِ الأوثانِ عَرفَ المسلمَ مِنَ المشركِ، أيْ: فرّقَ بينَهما وبرِئَ مِنَ المشركينَ ودِينِهم وعَرفَ أنّ هؤلاء جميعًا على دِينٍ آخرَ غيرِ دِينِ إِبْرَاهِيمَ، مع انتسابِهم إليه، فتنبّهْ:

٩٣ - قال الْبُخَارِيُّ: «وَقَالَ اللَّيْثُ: كَتَبَ إِلَيَّ هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما قَالَتْ: رَأَيْتُ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ قَائِمًا مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْكَعْبَةِ يَقُولُ: يَا مَعَاشِرَ قُرَيْشٍ، وَاللَّهِ مَا مِنْكُمْ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ غَيْرِي. وَكَانَ يُحْيِي الْمَوْءُودَةَ، يَقُولُ لِلرَّجُلِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَ ابْنَتَهُ: لَا تَقْتُلْهَا، أَنَا أَكْفِيكَهَا مَئُونَتَهَا. فَيَأْخُذُهَا، فَإِذَا تَرَعْرَعَتْ قَالَ لِأَبِيهَا: إِنْ شِئْتَ دَفَعْتُهَا إِلَيْكَ، وَإِنْ شِئْتَ كَفَيْتُكَ مَئُونَتَهَا». [صحيحُ الْبُخَارِيِّ (ت ٢٥٦هـ)، ورواه ابْنُ إِسْحَاقَ في سيرتِه]

٩٤ - وفي روايةٍ له عند ابْنِ هِشَامٍ: «لَقَدْ رَأَيْتُ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ شَيْخًا كَبِيرًا مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إلَى الْكَعْبَةِ ... ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَيَّ الْوُجُوهِ أَحَبُّ إلَيْكَ عَبَدْتُكَ بِهِ، وَلَكِنِّي لَا أَعْلَمُهُ(٤)، ثُمَّ يَسْجُدُ عَلَى رَاحَتِهِ». [السّيرةُ النَّبويَّةُ، لِابْنِ هِشَامٍ (ت ٢١٣هـ)]

ومِن عظيمِ الجهلِ أن يُظَنَّ أنّ مشركِي العربِ في زمنِ النّبيِّ ﷺ كانوا لا يَعرفونَ اللَّهَ البتّةَ أو لا يعبدونَه، بل لفظُ الشّركِ بيِّنٌ في أنّهم آمنُوا بوجودِ اللَّهِ وعبَدُوه، لكنّهم أَشركُوا معه في العبادةِ غيرَه. ومعلومٌ أنّهم انتسبُوا إلى دِينِ إِبْرَاهِيمَ وافتخرُوا بالبيتِ، والنّصوصُ الدّالّةُ على هذا لا تُحصَى، وقد سبقَ كثيرٌ مِنها.

٩٥ - ورَوَى مُسْلِمٌ: «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، قَالَ: فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَيْلَكُمْ، قَدْ قَدْ» فَيَقُولُونَ: إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ، يَقُولُونَ هَذَا وَهُمْ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ». [صحيحُ مُسْلِمٍ (ت ٢٦١هـ)]

فمَن فهِمَ معنَى الشّهادةِ عَرفَ ما فهِمَه زَيْدٌ الحنيفُ مِمّا بلغَه مِنَ الرّسالةِ، وليس بينَ يدَيه آيةٌ واحدةٌ مِنَ القرآنِ! فهذا رجلٌ كان في زمنِ الفترةِ لم يَبلغْه إلّا الإسلامُ العامُّ، أيْ: معنَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فعَرفَ به المسلمَ مِنَ المشركِ!(٥)

وتدبّرْ حديثَ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ الحنيفِ الذي سبقَ ذِكرُه برقمِ (٨٣)، فإنّه لم يكنْ يَعلمُ أنّ الإسلامَ هو إخلاصُ العبادةِ عِلمًا نظريًّا فحسبُ، بل كان يَعلمُ جيِّدًا كغيرِه مِنَ الحنفاءِ مَن هو على دِينِه ومَن ليس على دِينِه. لذا قال «أَظُنُّ أَنَّ النَّاسَ عَلَى ضَلَالَةٍ، وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ».

الهوامش

  1. ورَوَى النَّسَائِيُّ في «السّننِ الكبرى» مِن حديثِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ أنّ النَّبِيَّ ﷺ لقِيَ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ قبلَ البعثةِ، وفيه: «... فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا لِي أَرَى قَوْمَكَ قَدْ شَنِفُوا لَكَ؟» فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ إِنَّ ذَلِكَ لَبِغَيْرِ نَائِرَةٍ كَانَتْ مِنِّي إِلَيْهِمْ، وَلَكِنِّي أَرَاهُمْ عَلَى ضَلَالَةٍ، فَخَرَجْتُ أَبْتَغِي هَذَا الدِّينَ حَتَّى قَدِمْتُ عَلَى أَحْبَارِ يَثْرِبَ فَوَجَدْتُهُمْ يَعْبُدُونَ اللَّهَ وَيُشْرِكُونَ بِهِ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا بِالدِّينِ الَّذِي أَبْتَغِي، فَخَرَجْتُ حَتَّى أَقْدَمَ عَلَى أَحْبَارِ خَيْبَرَ فَوَجَدْتُهُمْ يَعْبُدُونَ اللَّهَ وَيُشْرِكُونَ بِهِ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا بِالدِّينِ الَّذِي أَبْتَغِي، فَخَرَجْتُ حَتَّى قَدِمْتُ عَلَى أَحْبَارِ فَدَكٍ فَوَجَدْتُهُمْ يَعْبُدُونَ اللَّهَ وَيُشْرِكُونَ بِهِ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا بِالدِّينِ الَّذِي أَبْتَغِي، خَرَجْتُ حَتَّى أَقْدَمَ عَلَى أَحْبَارِ أَيْلَةَ فَوَجَدْتُهُمْ يَعْبُدُونَ اللَّهَ وَيُشْرِكُونَ بِهِ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا بِالدِّينِ الَّذِي أَبْتَغِي، فَقَالَ لِي حَبْرٌ مِنْ أَحْبَارِ الشَّامِ: أَتَسْأَلُ عَنْ دِينٍ مَا نَعْلَمُ أَحَدًا يَعْبُدُ اللَّهَ بِهِ إِلَّا شَيْخًا بِالْجَزِيرَةِ؟ فَخَرَجْتُ فَقَدِمْتُ عَلَيْهِ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي خَرَجْتُ لَهُ، فَقَالَ: إِنَّ كُلَّ مَنْ رَأَيْتَ فِي ضَلَالٍ، إِنَّكَ تَسْأَلُ عَنْ دِينٍ هُوَ دِينُ اللَّهِ وَدِينُ مَلَائِكَتِهِ، وَقَدْ خَرَجَ فِي أَرْضِكَ نَبِيٌّ أَوْ هُوَ خَارِجٌ يَدْعُو إِلَيْهِ، ارْجِعْ فَصَدِّقْهُ وَاتَّبِعْهُ وَآمِنْ بِمَا جَاءَ بِهِ ...». ورواه ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ في «الآحادِ والمثاني»، والْبَزَّارُ وأَبُو يَعْلَى في مسنَدَيهما، والطَّبَرَانِيُّ في «المعجمِ الكبيرِ»، وابْنُ مَنْدَه في «التّوحيدِ»، والْحَاكِمُ في «المستدركِ»، وألفاظُهم متقاربةٌ، وفي كلِّها: «يَعْبُدُونَ اللَّهَ وَيُشْرِكُونَ بِهِ»، وقال الْبَزَّارُ: «وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا نَعْلَمُ رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ». ومدارُه على مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، وتكلَّمَ فيه غيرُ واحدٍ مِنَ الأئمّةِ، ونقلَ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ في «التّاريخِ الكبيرِ» مِن كتابِ عَلِيِّ ابْنِ الْمَدِينِيِّ: «سَأَلْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، وَكَيْفَ هُوَ؟ قَالَ: تُرِيدُ الْعَفْوَ أَوْ تُشَدِّدُ؟ قُلْتُ: بَلْ أُشَدِّدُ، قَالَ: لَيْسَ هُوَ مِمَّنْ تُرِيدُ». ↩
  2. ورواه الطَّبَرَانِيُّ في «المعجمِ الكبيرِ»، والْبَزَّارُ في «مسندِه»، والْآجُرِّيُّ في «الشّريعةِ»، والْحَاكِمُ في «المستدرَكِ». ↩
  3. ورواه الْبَزَّارُ في «مسندِه» بإسنادِه نحوَه، وأَبُو يَعْلَى مختصرًا، ومدارُه على مُجَالِدٍ عن الشَّعْبِيِّ. ↩
  4. وهذا الحديثُ يدلُّ على ما ذُكِرَ في مواضعَ مِن هذا الكتابِ أنّ مَن لم يَعلمِ العباداتِ وتفاصيلَها وكيفيّتَها فهو معذورٌ بجهلِه لأنّ مِثلَ ذلك لا سبيلَ إلى عِلمِه إلّا بالسّمعِ أيْ: بعدَ قيامِ الحجّةِ ببلوغِ النّصِّ الشّرعيِّ إليه. هذا، مع كونِ الأمرِ المذكورِ أبيَنَ مِن أن يحتاجَ إلى أن يُستَدَلَّ عليه بدليلٍ خاصٍّ. ↩
  5. لا شكَّ أنّ ما يزيدُ على ذلك مِن شرائعِ الإسلامِ مِنَ الأمورِ التي لا تَثبتُ إلّا بالسّمعِ ليس ممّا لا بدَّ مِنه لتحقيقِ الإسلامِ، وأنَّى لهؤلاء الحنفاءِ الدّليلُ عليه إن لم يَسمعُوه مِنَ الخبرِ الثّابتِ عن اللَّهِ ورسلِه عليهم السلام.

    أيْ: حتّى لو أَمكنَ أن يَعلمَ المرءُ شيئًا مِن هذه الأمورِ بالنّظرِ والاستدلالِ، ليس معناه أن يكونَ واجبًا عليه وجوبًا شرعيًّا حتّى يأتيَ النّصُّ الذي ذُكِرَ فيه هذا الأمرُ صريحًا.

    وهذا أصلٌ عظيمٌ عند أهلِ السّنّةِ والجماعةِ، يفارقونَ به أهلَ البدعةِ المفتونينَ بالفلسفةِ، ولكنّه ينبغِي أن يُفهَمَ على حقيقةِ قولِ أهلِ السّنّةِ الأوّلينَ، وهذا بحثٌ آخرُ ينبغِي أن يُهتَمَّ به في غيرِ هذا المكانِ. ↩