«فصل» (٣): قصّةُ وفاةِ أَبِي طَالِبٍ
٨٧ - ويتبيّنُ ما ذُكِرَ أيضًا ممّا رواه الْبُخَارِيُّ عن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عن أبيه: «أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ، جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي طَالِبٍ: «يَا عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ».
فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ وَيَعُودَانِ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ، حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَمَا وَاللَّهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ». فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ [التوبة: ١١٣] الْآيَةَ». [صحيحُ الْبُخَارِيِّ (ت ٢٥٦هـ)، متّفقٌ عليه]
والآيةُ بتمامِها: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ١١٣﴾ [التوبة: ١١٣].
فالمشركانِ في الحديثِ عَلِمَا يقينًا أنّ أَبَا طَالِبٍ لو تلفّظَ بهذه الكلمةِ خرجَ بذلك عن ملّتِهم خروجًا تامًّا وبرِئَ مِنها ورغِبَ عنها، وأنّه يَدخلُ بها في دِينٍ جديدٍ.
٨٨ - ورَوَى أَحْمَدُ في هذا: «فَقَالَ عُثْمَانُ رضي الله عنه: تَوَفَّى اللَّهُ عز وجل نَبِيَّهُ ﷺ قَبْلَ أَنْ نَسْأَلَهُ عَنْ نَجَاةِ هَذَا الْأَمْرِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَدْ سَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، قَالَ: فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، أَنْتَ أَحَقُّ بِهَا، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا نَجَاةُ هَذَا الْأَمْرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ قَبِلَ مِنِّي الْكَلِمَةَ الَّتِي عَرَضْتُ عَلَى عَمِّي، فَرَدَّهَا عَلَيَّ، فَهِيَ لَهُ نَجَاةٌ»». [مسندُ أَحْمَدَ (ت ٢٤١هـ)](١)
الهوامش
- في إسنادِه رجلٌ مِنَ الأنصارِ لم يُسَمَّ، قال الدَّارَقُطْنِيُّ في «العِلَلِ»: «وَالصَّوَابُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي رِجَالٌ مِنَ الْأَنْصَارِ لَمْ يُسَمِّهِمْ»، ويَشهدُ لمعناه قولُ عُمَرَ رضي الله عنه برقمِ (٦٢) في البابِ (٦)، الفصلِ (٢) «تسميةُ النّبيِّ ﷺ شهادةَ الإسلامِ بـ «كَلِمَةِ الإخلاصِ»». ↩