«باب» (٦): بيانُ معنَى لفظِ الإسلامِ في اللّغةِ أنّه الإخلاصُ وتسميتُه بذلك في السّنّةِ
«فصل» (٢): تسميةُ النّبيِّ ﷺ شهادةَ الإسلامِ بـ «كَلِمَةِ الإخلاصِ»
ولأنّ معنَى الإسلامِ الإخلاصُ، كما تقدّمَ، ذكَرَ أهلُ العِلمِ كثيرًا أنّ التّوحيدَ هو إخلاصُ العبادةِ للَّهِ، وقد رأيتَه مرارًا فيما نُقِلَ في هذا الكتابِ، وتأتِي أمثلةٌ أخرَى.
٥٨ - قال الْخَلِيلُ في «العَيْنِ»: «وَالْإِخْلَاصُ: التَّوْحِيدُ لِلَّهِ خَالِصًا، وَلِذَلِكَ قِيلَ لِسُورَةِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾: سُورَةُ الْإِخْلَاصِ. وَأَخْلَصْتُ لِلَّهِ دِينِي: أَمْحَضْتُهُ». [كتابُ العَيْنِ، لِلْخَلِيلِ (ت ١٧٠هـ)]
وسمَّوا شهادةَ الإسلامِ «كلمةَ التّوحيدِ»، وهذا مشهورٌ عندهم، ومعناه ظاهرٌ، كما في حديثِ جَابِرٍ رضي الله عنه في صفةِ حجّةِ النّبيِّ ﷺ:
٥٩ - رَوَى مُسْلِمٌ عن جَابِرٍ: «... وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، وَعَلَيْهِ يَنْزِلُ الْقُرْآنُ، وَهُوَ يَعْرِفُ تَأْوِيلَهُ، وَمَا عَمِلَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ عَمِلْنَا بِهِ، فَأَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ»». [صحيحُ مُسْلِمٍ (ت ٢٦١هـ)]
٦٠ - وقال ابْنُ قُتَيْبَةَ في مناظرةٍ له: «قُلْتُ لَهُ: أَمَا تَعْلَمُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَأْسُ الْإِيمَانِ وَكَلِمَةُ التَّوْحِيدِ؟ قَالَ: بَلَى». [الاختلافُ في اللّفظِ والرّدُّ على الجهميّةِ والمشبِّهةِ، لِابْنِ قُتَيْبَةَ (ت ٢٧٦هـ)]
وأمّا «كلمةُ الإخلاصِ» فقد جاءتْ في السّنّةِ،
٦١ - كما رَوَى أَحْمَدُ: «عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «أَصْبَحْنَا عَلَى فِطْرَةِ الْإِسْلَامِ وَعَلَى كَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ وَعَلَى دِينِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ وَعَلَى مِلَّةِ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ»». [مسندُ أَحْمَدَ (ت ٢٤١هـ)](١)
٦٢ - وفسّرَها عُمَرُ رضي الله عنه بالشّهادةِ، كما رَوَى أَحْمَدُ: «عَنْ حُمْرَانَ بْنِ أَبَانَ، أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَا يَقُولُهَا عَبْدٌ حَقًّا مِنْ قَلْبِهِ إِلَّا حُرِّمَ عَلَى النَّارِ»، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: أَنَا أُحَدِّثُكَ مَا هِيَ، هِيَ كَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ الَّتِي أَلْزَمَهَا اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مُحَمَّدًا ﷺ وَأَصْحَابَهُ، وَهِيَ كَلِمَةُ التَّقْوَى الَّتِي أَلَاصَ عَلَيْهَا(٢) نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ عَمَّهُ أَبَا طَالِبٍ عِنْدَ الْمَوْتِ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ». [مسندُ أَحْمَدَ (ت ٢٤١هـ)](٣)
الهوامش
- ورواه ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ والدَّارِمِيُّ والنَّسَائِيُّ في «السّننِ الكبرى» وفي «عملِ اليومِ واللّيلةِ» عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عن أبيه، وفيه: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَصْبَحَ قَالَ: ...». ↩
- «أَلَاصَ عليها»: حاولَ أن يُلزِمَه إيّاها، قال الْأَزْهَرِيُّ في «تهذيبِ اللّغةِ»: «وَيُقَالُ: أَدَرْتُ فُلَانًا عَلَى الْأَمْرِ، وَأَلَصْتُهُ عَلَيْهِ: إِذَا حَاوَلْتَ إِلْزَامَهُ إِيَّاهُ». ↩
- رواه الْحَاكِمُ بنحوِه، والضِّيَاءُ في «المختارةِ»، وفي إسنادِه انقطاعٌ، قال يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ: «لَمْ يَسْمَعْ قَتَادَةُ مِنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ»، رواه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ في «العِلَلِ ومعرفةِ الرّجالِ». ↩