«باب» (٧): ذِكرُ «إسلامِ الوجهِ» للَّهِ في القرآنِ وأنّه الإسلامُ والإخلاصُ
قد اتّضحَ أنّ الدِّينَ كلَّه ينبنِي على تطهيرِ الأعمالِ مِنَ الشّركِ الأكبرِ، وقد سُمِّيَ الدِّينُ كلُّه باسمٍ يدلُّ على هذا المعنَى دلالةً صريحةً. وما قِيلَ في المصدرِ يُقالُ فيما اشتُقَّ منه، لأنّه يَحملُ المعنَى نفسَه. فالمتّبِعُ لهذا الدِّينِ اسمُه مسلمٌ لأنّه محقِّقٌ للإسلامِ أي: للإخلاصِ.
ولِعِظَمِ شأنِ هذا المعنَى جاءَ بيانُه ظاهرًا متكرِّرًا في كتابِ اللَّهِ، ففي القرآنِ مواضعُ عدّةٌ تبيِّنُ معنَى الإسلامِ، وفيها تفصيلُ المرادِ بالشّيءِ الذي يُسلِمُه المسلمُ ويُخلِصُه المخلِصُ ما هو، وهذا مِن تفسيرِ القرآنِ بالقرآنِ، وقد صرّحَ السّلفُ بهذا مرارًا كما يأتِي.
﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ١١١﴾ [البقرة: ١١١]
•فاليهودُ والنّصارَى ادّعتْ كلُّ طائفةٍ مِنهما أنّ الجنّةَ خاصّةٌ بها، لا يُدخِلُها اللَّهُ إلّا مَن كان مِنهم.
٦٣ - كما رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: «عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ: قَالَتِ الْيَهُودُ: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا يَهُودِيٌّ. وَقَالَتِ النَّصَارَى: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا نَصْرَانِيٌّ. وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالرَّبِيعِ، وَالسُّدِّيِّ نَحْوُ ذَلِكَ». [تفسيرُ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ (ت ٣٢٧هـ)]
•لكنّ اللَّهَ تعالَى يكذّبُهم، فإنّما ذلك مِن أمانيِّهم التي ذكرَ اللَّهُ بعضَها في مواضعَ مِن كتابِه.
٦٤ - رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: «عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ [البقرة: ١١١] يَقُولُ: أَمَانِيُّ تَمَنَّوْهَا عَلَى اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ. وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ نَحْوُ ذَلِكَ». [تفسيرُ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ (ت ٣٢٧هـ)]
•ثمّ يقرّرُ اللَّهُ تعالَى الطّريقَ الصّحيحَ لمعرفةِ الحقِّ، ولا طريقَ غيرُه: إثباتُ الدّعوَى بالدّليلِ.
•هذا الدّليلُ لا يُمكِنُ أن يكونَ في هذا الأمرِ مِن غيرِ اللَّهِ، لأنّهم تكلّمُوا فيمَن يُدخِلُه اللَّهُ جنّتَه دونَ غيرِه، وهذا لا يُعلَمُ إلّا مِن عند اللَّهِ تعالَى. فلمّا لم يكنْ عندهم مِنَ اللَّهِ برهانٌ، تبيّنَ أنّهم افترَوا ذلك على اللَّهِ بغيرِ عِلمٍ.
٦٥ - كما رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: «عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١١١] أَيْ حُجَّتَكُمْ.
وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالسُّدِّيِّ، وَالرَّبِيعِ نَحْوُ ذَلِكَ».
«عَنْ قَتَادَةَ: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١١١] قَالَ: بَيِّنَتَكُمْ عَلَى ذَلِكَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ». [تفسيرُ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ (ت ٣٢٧هـ)]
ثمّ يبيّنُ اللَّهُ تعالَى مَن الذي يَدخلُ الجنّةَ حقيقةً بخلافِ دعواهم، فقال: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ١١٢﴾ [البقرة: ١١٢]
•أي: بلى، يَدخلُ الجنّةَ غيرُ مَن زعمتُم، وله أجرُه عند ربِّه.
•وهو المسلِمُ وجهَه للَّهِ. فاللَّهُ تعالَى يُخبِرُ أنّ كلَّ مَن اتّصفَ بهذا نالَ رضاه، وفي ذلك بيانُ معنَى كلمةِ الإسلامِ.
٦٦ - كما رَوَى الطَّبَرِيُّ: «عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: أَخْبَرَهُمْ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ فَقَالَ: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢] الْآيَةَ». [تفسيرُ الطَّبَرِيِّ (ت ٣١٠هـ)]
•أمّا الأجرُ المذكورُ في الآيةِ فهو الجنّةُ ورضوانُ اللَّهِ، لِما ذُكِرَ في الآيةِ التي قبلَها مِن أنّ أهلَ الكتابِ ادّعَوا ذلك لأنفسِهم كما سبقَ.
•هؤلاء المسلمونَ لا خوفٌ عليهم في الآخرةِ ممّا يأتي، ولا هم يَحزنونَ عند الموتِ على ما مضى.
٦٧ - كما رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: «عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ١١٢] يَعْنِي فِي الْآخِرَةِ ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ يَعْنِي لَا يَحْزَنُونَ لِلْمَوْتِ». [تفسيرُ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ (ت ٣٢٧هـ)]