«باب» (٧): ذِكرُ «إسلامِ الوجهِ» للَّهِ في القرآنِ وأنّه الإسلامُ والإخلاصُ
«فصل» (١): تفسيرُ السّلفِ لقولِه تعالَى ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾ بالإخلاصِ
٦٨ - رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ في هذه الآيةِ: «عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢] يَقُولُ: مَنْ أَخْلَصَ لِلَّهِ. وَرُوِيَ عَنِ الرَّبِيعِ نَحْوُ ذَلِكَ».
«عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢] قَالَ: مَنْ أَسْلَمَ أَخْلَصَ وَجْهَهُ، قَالَ: دِينَهُ». [تفسيرُ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ (ت ٣٢٧هـ)]
وذكرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ كِلَا القولَينِ أيضًا عند قولِه تعالَى ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ١٢٥﴾ [النساء: ١٢٥]
والحنيفُ هو المتّبِعُ لملّةِ إِبْرَاهِيمَ المخلِصُ للَّهِ تعالَى.
٦٩ - كما رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عند الآيةِ المذكورةِ آنفًا: «عَنِ السُّدِّيِّ قَوْلَهُ: ﴿حَنِيفًا﴾ [النساء: ١٢٥] يَقُولُ: مُخْلِصًا»(١). [تفسيرُ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ (ت ٣٢٧هـ)]
وإن جاءَ غيرُ ذلك عن السّلفِ فليس على سبيلِ المخالَفةِ بل مِن قبيلِ اختلافِ التّنوّعِ الذي هو التّعبيرُ عن المعنَى الواحدِ بعباراتٍ مختلفةٍ، أو ذِكرُ بعضِ أنواعِه على سبيلِ التّمثيلِ، وهذا كثيرٌ في تفسيرِ السّلفِ للآياتِ.
ورَوَى الطَّبَرِيُّ بإسنادِه عن الرَّبِيعِ في آيةِ البقرةِ مِثلَ ما رواه ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، كما في كلامِه الآتِي.
٧٠ - قال الطَّبَرِيُّ في معنَى إسلامِ الوجهِ للَّهِ: «وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢] فَإِنَّهُ يَعْنِي بِإِسْلَامِ الْوَجْهِ التَّذَلُّلَ لِطَاعَتِهِ وَالْإِذْعَانَ لِأَمْرِهِ. وَأَصْلُ الْإِسْلَامِ: الِاسْتِسْلَامُ، لِأَنَّهُ مِنِ اسْتَسْلَمْتُ لَهُ، وَهُوَ الْخُضُوعُ لِأَمْرِهِ. وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْمُسْلِمُ مُسْلِمًا لِخُضُوعِ جَوَارِحِهِ لِطَاعَةِ رَبِّهِ، كَمَا حَدَّثَنِي ... عَنِ الرَّبِيعِ قَوْلَهُ: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ يَقُولُ: «أَخْلَصَ لِلَّهِ»،
وَكَمَا قَالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ:
وَأَسْلَمْتُ وَجْهِي لِمَنْ أَسْلَمَتْ ... لَهُ الْمُزْنُ تَحْمِلُ عَذْبًا زُلَالًا
يَعْنِي بِذَلِكَ: اسْتَسْلَمْتُ لِطَاعَةِ مَنِ اسْتَسْلَمَ لِطَاعَتِهِ الْمُزْنُ وَانْقَدْتُ لَهُ.
وَخَصَّ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِالْخَبَرِ عَمَّنْ أَخْبَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ بِإِسْلَامِ وَجْهِهِ لَهُ دُونَ سَائِرِ جَوَارِحِهِ، لِأَنَّ أَكْرَمَ أَعْضَاءِ ابْنِ آدَمَ وَجَوَارِحِهِ وَجْهُهُ، وَهُوَ أَعْظَمُهَا عَلَيْهِ حُرْمَةً وَحَقًّا، فَإِذَا خَضَعَ لِشَيْءٍ وَجْهُهُ الَّذِي هُوَ أَكْرَمُ أَجْزَاءِ جَسَدِهِ عَلَيْهِ فَغَيْرُهُ مِنْ أَجْزَاءِ جَسَدِهِ أَحْرَى أَنْ يَكُونَ قَدْ خَضَعَ لَهُ.
وَلِذَلِكَ تَذْكُرُ الْعَرَبُ فِي مَنْطِقِهَا الْخَبَرَ عَنِ الشَّيْءِ فَتُضِيفُهُ إِلَى وَجْهِهِ وَهِيَ تَعْنِي بِذَلِكَ نَفْسَ الشَّيْءِ وَعَيْنَهُ ... وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: بَلَى مَنْ أَخْلَصَ طَاعَتَهُ وَعِبَادَتَهُ لِلَّهِ مُحْسِنًا فِي فِعْلِهِ ذَلِكَ». [تفسيرُ الطَّبَرِيِّ (ت ٣١٠هـ)]
ومِثلُ ذلك قولُه تعالَى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ٢٠﴾ [آل عمران: ٢٠]
٧١ - قال الطَّبَرِيُّ عند هذه الآيةِ: «فَقُلْ: انْقَدْتُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، بِلِسَانِي وَقَلْبِي وَجَمِيعِ جَوَارِحِي ... ﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾ [آل عمران: ٢٠] يَقُولُ: قُلْ لَهُمْ: هَلْ أَفْرَدْتُمُ التَّوْحِيدَ، وَأَخْلَصْتُمُ الْعِبَادَةَ وَالْأُلُوهَةَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، دُونَ سَائِرِ الْأَنْدَادِ وَالْأَشْرَاكِ(٢) الَّتِي تُشْرِكُونَهَا مَعَهُ فِي عِبَادَتِكُمْ إِيَّاهُمْ، وَإِقْرَارِكُمْ بِرُبُوبِيَّتِهِمْ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا رَبَّ غَيْرُهُ، وَلَا إِلَهَ سِوَاهُ؟ ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا﴾ يَقُولُ: فَإِنِ انْقَادُوا لِإِفْرَادِ الْوَحْدَانِيَّةِ لِلَّهِ، وَإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ وَالْأُلُوهَةِ لَهُ، ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ يَعْنِي: فَقَدْ أَصَابُوا سَبِيلَ الْحَقِّ، وَسَلَكُوا مَحَجَّةَ الرُّشْدِ». [تفسيرُ الطَّبَرِيِّ (ت ٣١٠هـ)]
٧٢ - وقال مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ: «﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢] يَعْنِي: أَخْلَصَ دِينَهُ لِلَّهِ»، و«﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٢٥] يَعْنِي: أَخْلَصَ دِينَهُ لِلَّهِ ... ﴿حَنِيفًا﴾ يَعْنِي: مُخْلِصًا»، و«﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٢] يَقُولُ: مَنْ يُخْلِصُ دِينَهُ لِلَّهِ». [تفسيرُ مُقَاتِلٍ (ت ١٥٠هـ)]
فجاءَ تأويلُ إسلامِ الوجهِ للَّهِ في تفاسيرِ السّلفِ بهذه المعانِي، يقولونَ: هو إخلاصُ العبادةِ وإخلاصُ الدِّينِ وإخلاصُ الطّاعةِ للَّهِ.
وَزَيْدُ بْنُ عَمْرٍو المذكورُ كان مِنَ الحنفاءِ الذين اتّبعُوا ملّةَ إِبْرَاهِيمَ، وقد عرفتَ مِن أقوالِ السّلفِ أنّ الحنيفَ هو المخلِصُ للَّهِ.
الهوامش
- وذكرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ في «حَنِيفًا» عند هذه الآيةِ أوجهًا، منها: «حَاجًّا»، و«مُتَّبِعًا»، و«الْمُسْتَقِيمُ»، و«مُخْلِصًا»، و«الَّذِي يُؤْمِنُ بِالرُّسُلِ كُلِّهِمْ». ↩
- «الْأَشْرَاكُ»: جمعُ «شَرِيكٍ»، قال الْأَزْهَرِيُّ في «تهذيبِ اللّغةِ»: «يُقَالُ: شَرِيكٌ وَأَشْرَاكٌ، كَمَا قَالُوا: يَتِيمٌ وَأَيْتَامٌ، وَنَصِيرٌ وَأَنْصَارٌ». ↩