«باب» (٦): بيانُ معنَى لفظِ الإسلامِ في اللّغةِ أنّه الإخلاصُ وتسميتُه بذلك في السّنّةِ
«فصل» (١): معنَى الفعلِ «أَسْلَمَ» وأنّ الإسلامَ هو الإخلاصُ
وردَ معنَى الفعلِ «أسلم» في المعاجمِ(١) كما يلِي:
•أَسلَمَ، أي: انقادَ واستَسلَمَ ودخَلَ في السِّلْمِ (بالفتحِ وبالكسرِ).
•أَسلَمَ الشّيءَ إليه، أي: دفَعَه.
•أَسلَمَ أمرَه له وإليه، أي: فوّضَه.
•أَسلَمَ الشّيءَ له، مِثلُ «سلَّمَه له»، أي: خلَّصَه له وجعَلَه سالِمًا له وخالِصًا.
وكما هو مبيَّنٌ في كتبِ عِلمِ الصّرفِ، يجوزُ أن تُزادَ في أوّلِ الفعلِ الثّلاثيِّ همزةٌ. وهذا التّغييرُ في بِنيةِ الكلمةِ يؤدِّي إلى إضافةِ معنَى الجَعْلِ إلى الفعلِ.
٥٥ - قال سِيبَوَيْهِ في «الكتابِ»، في «بابِ افتراقِ فَعَلْتُ وأَفْعَلْتُ في الفعلِ للمعنَى»: «تَقُولُ: دَخَلَ وَخَرَجَ وَجَلَسَ. فَإِذَا أَخْبَرْتَ أَنَّ غَيْرَهُ صَيَّرَهُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ هَذَا قُلْتَ: أَخْرَجَهُ وَأَدْخَلَهُ وَأَجْلَسَهُ. وَتَقُولُ: فَزِعَ وَأَفْزَعْتُهُ، وَخَافَ وَأَخَفْتُهُ ... فَأَكْثَرُ مَا يَكُونُ عَلَى فَعَلَ إِذَا أَرَدْتَ أَنَّ غَيْرَهُ أَدْخَلَهُ فِي ذَلِكَ يُبْنَى الْفِعْلُ مِنْهُ عَلَى أَفْعَلْتُ». [الكتابُ، لِسِيبَوَيْهِ (ت ١٨٠هـ)]
وهكذا استعملتِ العربُ «أسْلَمَ» بمعنَى «جعَلَه يَسْلَمُ» أي: جعَلَه سَالِمًا، فيكونُ «سَلِمَ» و«أَسْلَمَ» نظيرَ «خَلَصَ» و«أَخْلَصَ» في البِنيةِ والمعنَى. والعربُ تقولُ لِمَن طهّرَ الذّهبَ(٢) أو نحوَه: أَخْلَصَه يُخلِصُه. وقد نصَّ على ذلك أهلُ اللّغةِ:
٥٦ - قال ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ في «الزّاهرِ في معاني كلماتِ النّاسِ» في قولِهم: «رجلٌ مسلمٌ»: «فِيهِ قَوْلَانِ: قَالَ قَوْمٌ: الْمُسْلِمُ: الْمُخْلِصُ لِلَّهِ الْعِبَادَةَ. وَقَالُوا: هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: قَدْ سَلِمَ الشَّيْءُ لِفُلَانٍ: إِذَا خَلَصَ لَهُ. قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ [الزمر: ٢٩] مَعْنَاهُ: خَالِصًا لِرَجُلٍ. وَقَالَ قَوْمٌ: الْمُسْلِمُ مَعْنَاهُ: الْمُسْتَسْلِمُ لِأَمْرِ اللَّهِ، الْمُتَذَلِّلُ لَهُ». [الزّاهرُ في معاني كلماتِ النّاسِ، لِابْنِ الْأَنْبَارِيِّ (ت ٣٢٨هـ)]
٥٧ - وقال الْجَوْهَرِيُّ في «الصِّحاحِ»: «وَخُلَاصَةُ السَّمْنِ بِالضَّمِّ: مَا خَلَصَ مِنْهُ ... وَالْمَصْدَرُ مِنْهُ الْإِخْلَاصُ، وَقَدْ أَخْلَصْتُ السَّمْنَ. وَالْإِخْلَاصُ أَيْضًا فِي الطَّاعَةِ: تَرْكُ الرِّيَاءِ، وَقَدْ أَخْلَصْتُ لِلَّهِ الدِّينَ». [الصِّحاحُ، لِلْجَوْهَرِيِّ (ت ٣٩٣هـ)]
فالإسلامُ هو الإخلاصُ، لا وجودَ للإسلامِ دونَ إخلاصٍ. وبذلك يَظهرُ التّناقضُ عند مَن يَزعمُ وجودَ مسلمٍ يَفعلُ الشّركَ الأكبرَ ويَعبدُ إلهًا آخرَ مِن دونِ اللَّهِ، إذ معنَى ذلك أنّه «مُخلِصٌ غيرُ مُخلِصٍ» في حالٍ واحدةٍ، أي: مَن قال هذا فقد تصوَّرَ مسلمًا بلا إسلامٍ. وأمّا الإخلاصُ فالمرادُ به تطهيرُ الأفعالِ مِنَ الشّركِ كما تبيّنَ ممّا سبقَ في هذا الكتابِ، وكما سيأتِي(٣). فإنّ الرّسلَ ما بُعِثُوا إلّا لهذا، وبُعِثُوا إلى أقوامٍ أَشركُوا باللَّهِ تعالَى وما أَخلصُوا له.
الهوامش
- قال الْجَوْهَرِيُّ (ت ٣٩٣هـ) في «الصِّحاحِ»: «وَأَسْلَمَ أَمْرَهُ إِلَى اللَّهِ، أَيْ: سَلَّمَ. وَأَسْلَمَ، أَيْ: دَخَلَ فِي السَّلْمِ، وَهُوَ الِاسْتِسْلَامُ»، وقال الصَّاحِبُ بْنُ عَبَّادٍ (ت ٣٨٥هـ) في «المحيطِ في اللّغةِ»: «وَأَسْلَمْتُ إِلَيْهِ ثَوْبًا، وَسَلَّمْتُ لَهُ وَإِلَيْهِ»، وقال ابْنُ سِيدَهْ (ت ٤٥٨هـ) في «المحكَمِ»: «وَأَسْلَمَ إِلَيْهِ الشَّيْءَ: دَفَعَهُ». وانظرْ للمعنَى الأخيرِ كلامَ ابْنِ الْأَنْبَارِيِّ الآتيَ برقمِ (٥٦). ↩
- قال الْخَطَّابِيُّ (ت ٣٨٨هـ) في «غريبِ الحديثِ»: «وَالْخِلَاصُ وَالْخُلَاصَةُ: مَا أَخْلَصَتْهُ النَّارُ مِنَ الذَّهَبِ». ↩
- انظرِ البابَ (٣)، الفصلَ (٢) «أَمْرُ الأنبياءِ أقوامَهم بتوحيدِ العبادةِ وفَهْمُ المشركينَ لهذا الخطابِ في قولِهم ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾»، والبابَ (١٤)، الفصلَ (٢) «الإسلامُ هو الإخلاصُ، والإخلاصُ لا يُوجَدُ في أحدٍ مِنَ المشركينَ، كما في أوّلِ سورةِ الزُّمَرِ». ↩