ibnu-musafir.com

مِن كتابِ «فِي بَيَانِ مَعْنَى الْإِسْلَامِ» · قراءة الكتاب بصيغة PDF

«باب» (٣): معنَى الإلهِ ومعنَى شهادةِ الإسلامِ

«فصل» (٢): أَمْرُ الأنبياءِ أقوامَهم بتوحيدِ العبادةِ وفَهْمُ المشركينَ لهذا الخطابِ في قولِهم ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾

﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ٥﴾ [ص: ٥]

هذا قولُ المشركينَ، وليس قصدُهم أنّ مُحَمَّدًا جعلَ الخالقِينَ خالقًا واحدًا.

١٤ - قال الطَّبَرِيُّ مبيِّنًا: «يَقُولُ: وَقَالَ هَؤُلَاءِ الْكَافِرُونَ الَّذِينَ قَالُوا: مُحَمَّدٌ سَاحِرٌ كَذَّابٌ: أَجْعَلَ مُحَمَّدٌ الْمَعْبُودَاتِ كُلَّهَا مَعْبُودًا وَاحِدًا، يَسْمَعُ دُعَاءَ جَمِيعِنَا، وَيَعْلَمُ عِبَادَةَ كُلِّ عَابِدٍ عَبَدَهُ مِنَّا ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ٥﴾ [ص: ٥] أَيْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ...» [تفسيرُ الطَّبَرِيِّ (ت ٣١٠هـ)]

فجعلَ الطَّبَرِيُّ «المعبوداتِ» مكانَ «الآلهةَ»، و«معبودًا واحدًا» مكانَ «إلهًا واحدًا».

فتبيّنَ أنّ المشركينَ مِنَ العربِ فهِمُوا معنَى الشّهادةِ تمامَ الفهمِ، لأنّهم تعجّبُوا مِن مُحَمَّدٍ ﷺ أنّه جعلَ الآلهةَ المعبودةَ عندهم معبودًا واحدًا، وهذا يَدلُّ قطعًا على أنّهم فهِمُوا ما خاطبَهم به النّبيُّ ﷺ، فعلِمُوا معنَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.

ومِثلُه في قولِه تعالَى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ١٣٨﴾ [الأعراف: ١٣٨]

ولا يستقيمُ أن يكونَ المعنَى: «اجعلْ لنا خالقًا كما لهم خالقونَ».

وكلُّ المرسَلينَ قالوا لأقوامِهم ما حكاه اللَّهُ عنهم: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩، ٦٥، ٧٣، ٨٥؛ هود: ٥٠، ٦١، ٨٤؛ المؤمنون: ٢٣، ٣٢]، فأمرُوهم بعبادةِ اللَّهِ وحدَه وبيّنُوا لهم أنّه لا معبودَ بحقٍّ غيرُه.

وأجابَ قومُ هُودٍ بما حكاه اللَّهُ عنهم: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [الأعراف: ٧٠]، أي: هم فهِمُوا مِن لفظِ الإلهِ أنّه المعبودُ. وفي القرآنِ مِن هذا كثيرٌ.

١٥ - قال الطَّبَرِيُّ في معنَى الآيةِ: «يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَتْ عَادٌ لِهُودٍ: أَجِئْتَنَا تَتَوَعَّدُنَا بِالْعِقَابِ مِنَ اللَّهِ عَلَى مَا نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ كَيْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَدِينَ لَهُ بِالطَّاعَةِ خَالِصًا وَنَهْجُرَ عِبَادَةَ الْآلِهَةِ وَالْأَصْنَامِ الَّتِي كَانَ آبَاؤُنَا يَعْبُدُونَهَا وَنَتَبَرَّأَ مِنْهَا؟ فَلَسْنَا فَاعِلِي ذَلِكَ وَلَا مُتَّبِعِيكَ عَلَى مَا تَدْعُونَا إِلَيْهِ، فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا مِنَ الْعِقَابِ وَالْعَذَابِ عَلَى تَرْكِنَا إِخْلَاصَ التَّوْحِيدِ لِلَّهِ، وَعِبَادَتِنَا مَا نَعْبُدُ مِنْ دُونِهِ مِنَ الْأَوْثَانِ إِنْ كُنْتَ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ عَلَى مَا تَقُولُ وَتَعِدُ». [تفسيرُ الطَّبَرِيِّ (ت ٣١٠هـ)]

١٦ - وذَكرَ الْبُخَارِيُّ في «خلقِ أفعالِ العبادِ»: «وَقَالَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ رضي الله عنه: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي: «كَمْ تَعْبُدُ الْيَوْمَ إِلَهًا؟» قَالَ: سَبْعَةٌ، سِتَّةٌ فِي الْأَرْضِ وَوَاحِدٌ فِي السَّمَاءِ، قَالَ: «فأَيُّهُمْ تَعُدُّ لِرَغْبَتِكَ وَلِرَهْبَتِكَ؟» قَالَ: الَّذِي فِي السَّمَاءِ، قَالَ: «أَمَا إِنَّكَ إِنْ أَسْلَمْتَ عَلَّمْتُكَ كَلِمَتَيْنِ يَنْفَعَانِكَ»، فَلَمَّا أَسْلَمَ الْحُصَيْنُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي الْكَلِمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ وَعَدْتَنِي، قَالَ: «اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي، وَأَعِذْنِي مِنْ شَرِّ نَفْسِي»». [خَلقُ أفعالِ العِبادِ، لِلْبُخَارِيِّ (ت ٢٥٦هـ)](١)

فسمَّى حُصَيْنٌ ما كان يعبدُه مِن دونِ اللَّهِ آلهةً، مع أنّه يَعُدُّ للرّغبةِ والرّهبةِ الذي في السّماءِ، فالإلهُ عندَه المعبودُ لا الخالقُ.

وفي هذا العصرِ قومٌ مِن أهلِ الجهلِ، أمثالُ إخوانِهم الذين مضَوا مِن قَبلِهم، يُنكِرونَ كونَ لفظِ الإلهِ بمعنَى المعبودِ، مستدِلِّينَ بأهوائِهم، يَقصدونَ مِن وراءِ ذلك إبطالَ حقيقةِ التّوحيدِ وإدخالَ جميعِ مَن تلفّظَ بلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ في الإسلامِ، مهما عَظُمَ شركُهم وطمَّ كفرُهم. وكلامُهم هذا خطأٌ ظاهرٌ، ولو نظرُوا في ما قاله أهلُ العِلمِ في القرونِ الأولَى وقبِلُوه، لعلِمُوا أنّهم بيّنُوا معنَى لفظِ الإلهِ كثيرًا في كلامِهم.

ومِن ذلك ما سيأتي مِن نقلِ أهلِ التّفسيرِ في عدّةِ مواضعَ مِن كلامِهم ممّا لا يَتركُ شكًّا أنّهم قرّرُوا المعنَى كما ذُكِرَ فوقُ، وهو أنّ المشركينَ مِنَ العربِ كانوا يَعرفونَ أنّ اللَّهَ خالقُهم ورازقُهم ونحوُ ذلك. فالنّبيُّ ﷺ لم يأتِهم بشهادةِ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ليُعلِّمَهم ذلك، إذ قد علِمُوه مِن قبلُ.

وإنّما المرادُ أن يَتركُوا شركَهم في العبادةِ والطّاعةِ. وليس معنَى ذلك أنّ مشركِي العربِ لم يقعُوا في الإشراكِ باللَّهِ في ربوبيّتِه، بل حصلَ ذلك مِن كثيرٍ مِنهم في جوانبَ مختلِفةٍ مِنَ الرّبوبيّةِ، كما بيّنَه اللَّهُ في القرآنِ في مواضعَ، ولكنّ هذا لا يُبطِلُ أنّ ما جاءَ به النّبيُّ ﷺ هو الأمرُ بعبادةِ اللَّهِ وحدَه والنّهيُ عن الشّركِ في العبادةِ، وهذا ما خفِيَ على مَن يُنكِرُ أنّ معنَى الإلهِ هو المعبودُ، هداهم اللَّهُ. وسيأتِي بعضُ ما نبّهتُ إليه مِن كلامِ السّلفِ فيما يلِي.

الهوامش

  1. ورواه التِّرْمِذِيُّ وقال: «هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ»، وقال في «العِلَلِ الكبيرِ»: «سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَلَمْ يَعْرِفْهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ. قَالَ مُحَمَّدٌ: وَرَوَى مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ جُوَيْرِيَةَ بْنِ بَشِيرٍ، عَنِ الْحَسَنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا». وقال ابْنُ الْمَدِينِيِّ: «الْحَسَنُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ»، ومثلُه عن أَبِي حَاتِمٍ، ذكرَهما ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ في «المراسيلِ». ورواه الطَّبَرَانِيُّ في «الدّعاءِ»، وَالْبَزَّارُ في «المسندِ» وقال: «وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي إِسْنَادِهِ». ↩