«باب» (٣): معنَى الإلهِ ومعنَى شهادةِ الإسلامِ
«فصل» (٣): أقوالُ السّلفِ في قولِه تعالَى ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ٢٢﴾ وهو أوّلُ نَهيٍ في القرآنِ، وقولِه: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ١٠٦﴾، وما في معناهما
قال اللَّهُ تعالَى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ٢٢﴾ [البقرة: ٢٢]
١٧ - رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ٢٢﴾ [البقرة: ٢٢] أَيْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ غَيْرَهُ مِنَ الأَنْدَادِ الَّتِي لَا تَنْفَعُ وَلا تَضُرُّ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا رَبَّ لَكُمْ يَرْزُقُكُمْ غَيْرُهُ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ الَّذِي يَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ الرَّسُولُ مِنْ تَوْحِيدِهِ هُوَ الْحَقُّ لَا شَكَّ فِيهِ». [تفسيرُ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ (ت ٣٢٧هـ)]
فهذا الخبرُ وحدَه يكفِي في إبطالِ هذا الضّلالِ المذكورِ، ومِثلُه عند ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ:
١٨ - «عَنْ قَتَادَةَ: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ٢٢﴾ [البقرة: ٢٢] أَنَّ اللَّهَ خَلَقَكُمْ وَخَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، ثُمَّ أَنْتُمْ تَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا». [تفسيرُ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ (ت ٣٢٧هـ)، وبمِثلِه عند الطَّبَرِيِّ]
فالأمرُ بيّنَه السّلفُ وفيه الكفايةُ. ولا شكَّ عند مَن يَعقلُ أنّ السّلفَ إن بيّنُوا ذلك بمِثلِ هذا الوضوحِ فلا بُدَّ أن ينتقلَ المعنَى إلى مَن يأخذُ عنهم، ولتبيينِ هذا سأَذكرُ طرفًا مِن قولِ الطَّبَرِيِّ في هذا الأمرِ.
١٩ - قال الطَّبَرِيُّ: «فَكَأَنَّهُ قَالَ: اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الْخَالِقَكُمْ، وَالْخَالِقَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، الْجَاعِلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا».
«فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ الَّذِي خَلَقَهُمَا وَخَلَقَ جَمِيعَ مَا فِيهِمَا وَمَا هُمْ فِيهِ مِنَ النِّعَمِ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ عَلَيْهِمُ الطَّاعَةَ وَالْمُسْتَوْجِبُ مِنْهُمُ الشُّكْرَ وَالْعِبَادَةَ دُونَ الْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ الَّتِي لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ ...»
«فَنَهَاهُمُ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ أَنْ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَأَنْ يَعْبُدُوا غَيْرَهُ، أَوْ يَتَّخِذُوا لَهُ نِدًّا أَوْ عِدْلًا فِي الطَّاعَةِ، فَقَالَ: كَمَا لَا شَرِيكَ لِي فِي خَلْقِكُمْ وَفِي رِزْقِيَ الَّذِي أَرْزُقُكُمْ، وَمِلْكِي إِيَّاكُمْ، وَنِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُهَا عَلَيْكُمْ، فَكَذَلِكَ فَأَفْرِدُوا لِيَ الطَّاعَةَ، وَأَخْلِصُوا لِيَ الْعِبَادَةَ، وَلَا تَجْعَلُوا لِي شَرِيكًا وَنِدًّا مِنْ خَلْقِي، فَإِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ عَلَيْكُمْ فَمِنِّي»
«وَلَكِنَّ اللَّهَ جَلَّ ذِكْرُهُ قَدْ أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ عَنْهَا(١) أَنَّهَا كَانَتْ تُقِرُّ بِوَحْدَانِيَّتِهِ، غَيْرَ أَنَّهَا كَانَتْ تُشْرِكُ فِي عِبَادَتِهِ مَا كَانَتْ تُشْرِكُ فِيهَا، فَقَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، وَقَالَ: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٣١﴾ [يونس: ٣١].
وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ٢٢﴾ [البقرة: ٢٢] إِذْ كَانَ مَا كَانَ عِنْدَ الْعَرَبِ مِنَ الْعِلْمِ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ، وَأَنَّهُ مُبْدِعُ الْخَلْقِ وَخَالِقُهُمْ وَرَازِقُهُمْ، نَظِيرَ الَّذِي كَانَ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ. وَلَمْ يَكُنْ فِي الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ عَنَى بِقَوْلِهِ: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ٢٢﴾ أَحَدَ الْحِزْبَيْنِ، بَلْ مَخْرَجُ الْخِطَابِ بِذَلِكَ عَامٌّ لِلنَّاسِ كَافَّةً، لِأَنَّهُ تَحَدَّى النَّاسَ كُلَّهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] أَنْ يَكُونَ تَأْوِيلُهُ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ، مِنْ أَنَّهُ مَعْنِيٌّ بِذَلِكَ كُلُّ مُكَلَّفٍ عَالِمٍ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي خَلْقِهِ يُشْرِكُ مَعَهُ فِي عِبَادَتِهِ، كَائِنًا مَنْ كَانَ مِنَ النَّاسِ». [تفسيرُ الطَّبَرِيِّ (ت ٣١٠هـ)]
هذا كلامُه في آيةٍ واحدةٍ فحسبُ! ومع هذا يقولُ بعضُ النّاسِ غيرَ ذلك، وانظرْ إلى غفلتِهم عن كلِّ هذه النّصوصِ، وإن علِمُوا فانظرْ إلى تعالِيهم على الصّحابةِ الذين عرفُوا أحوالَ العربِ، إذ كانوا مِنهم وعاشُوا في زمانِهم، وشَهِدُوا التّنزيلَ وعرفُوا أسبابَه وفيمَ نزلَ! فهل يُظَنُّ أنّ أهلَ هذا العصرِ، مع بُعدِهم عن زمنِ التّنزيلِ وانتشارِ الجهلِ بينَهم، أدرَى مِنَ الصّحابةِ؟
٢٠ - ورَوَى الْبُخَارِيُّ عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه أنّه قال: «وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، إِلَّا أَنَا أَعْلَمُ أَيْنَ أُنْزِلَتْ، وَلَا أُنْزِلَتْ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، إِلَّا أَنَا أَعْلَمُ فِيمَ أُنْزِلَتْ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنِّي بِكِتَابِ اللَّهِ تُبَلِّغُهُ الْإِبِلُ(٢) لَرَكِبْتُ إِلَيْهِ». [صحيحُ الْبُخَارِيِّ (ت ٢٥٦هـ)، وبنحوِه عند مُسْلِمٍ]
٢١ - وقال ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: «فَأَمَّا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهُمُ الَّذِينَ شَهِدُوا الْوَحْيَ وَالتَّنْزِيلَ، وَعَرَفُوا التَّفْسِيرَ وَالتَّأْوِيلَ، وَهُمُ الَّذِينَ اخْتَارَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ ﷺ وَنُصْرَتِهِ وَإِقَامَةِ دِينِهِ وَإِظْهَارِ حَقِّهِ ... فَفَقِهُوا فِي الدِّينِ، وَعَلِمُوا أَمْرَ اللَّهِ وَنَهْيَهُ وَمُرَادَهُ بِمُعَايَنَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَمُشَاهَدَتِهِمْ مِنْهُ تَفْسِيرَ الْكِتَابِ وَتَأْوِيلَهُ». [الجرحُ والتّعديلُ، لِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ (ت ٣٢٧هـ)]
وقد سبقَ في «المقدِّمةِ» قولُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ في أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّهُمْ كَانُوا أَبَرَّ هَذِهِ الْأُمَّةِ قُلُوبًا وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا».
٢٢ - ورَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ١٠٦﴾ [يوسف: ١٠٦] تَسْأَلُهُمْ: مَنْ خَلَقَهُمْ؟ وَمَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ؟ فَيَقُولُونَ: اللَّهُ، فَذَلِكَ إِيمَانُهُمْ، وَهُمْ يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ». [تفسيرُ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ (ت ٣٢٧هـ)](٣)
٢٣ - وجاءَ في تفسيرِ مُجَاهِدٍ: «عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ١٠٦﴾ [يوسف: ١٠٦] قَالَ: إِيمَانُهُمْ قَوْلُهُمُ: اللَّهُ يَخْلُقُنَا وَيَرْزُقُنَا وَيُمِيتُنَا، وَهُوَ إِيمَانُ الْمُشْرِكِينَ». [تفسيرُ مُجَاهِدٍ (ت ١٠٤هـ)]
٢٤ - وعند عَبْدِ الرَّزَّاقِ: «عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ١٠٦﴾ [يوسف: ١٠٦] قَالَ: لَا يُسْأَلُ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: مَنْ رَبُّكَ؟ إِلَّا قَالَ: اللَّهُ، وَهُوَ يُشْرِكُ فِي ذَلِكَ». [تفسيرُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ (ت ٢١١هـ)]
٢٥ - وقال مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ(٤): «قَوْلُهُ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ﴾ [الزخرف: ٨٧] يَعْنِي أَهْلَ مَكَّةَ: كُفَّارَهُمْ ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ: خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، نَزَلَتْ فِي آخِرِهَا ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾
فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ خَلَقَكُمْ وَرَزَقَكُمْ وَخَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ؟ فَقَالُوا: اللَّهُ خَالِقُ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا، وَهُوَ خَلَقَنَا.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ: قُلْ لَهُمْ: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ٨٧﴾ يَقُولُ: مِنْ أَيْنَ يُكَذِّبُونَ بِأَنَّهُ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنْتُمْ مُقِرُّونَ أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ الْأَشْيَاءِ وَخَلَقَكُمْ، وَلَمْ يُشَارِكْهُ أَحَدٌ فِي مُلْكِهِ فِيمَا خَلَقَ؟ فَكَيْفَ تَعْبُدُونَ غَيْرَهُ؟» [تفسيرُ مُقَاتِلٍ (ت ١٥٠هـ)]
الهوامش
- أي: عن العربِ. ↩
- أي: تُوصِلُني إليه، و«بَلَّغَ» يتعدّى إلى مفعولَينِ، تقولُ: «بَلَّغْتُه المكانَ»، وحُذِفَ هنا الأوّلُ، وهو مذكورٌ في روايةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: «تُبَلِّغُنِيهِ الْإِبِلُ». وضُبِطَ عند مُسْلِمٍ: «تَبْلُغُهُ الْإِبِلُ»، أي: تَصِلُ إليه، والمعنَى واحدٌ. ↩
- ونحوُه عن عِكْرِمَةَ، ذكرَه الْبُخَارِيُّ في «صحيحِه» في «كتابِ التّوحيدِ»: «بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾»، ورواه في «خلقِ أفعالِ العبادِ»: «يَسْأَلُهُمْ: مَنْ خَلَقَهُمْ؟ وَمَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ؟ فَيَقُولُونَ: اللَّهُ، فَذَلِكَ إِيمَانُهُمْ، وَهُمْ يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ». ↩
هو أَبُو الْحَسَنِ مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْبَلْخِيُّ، تُوُفِّيَ سنةَ ١٥٠هـ، وهو مِن أقدمِ المفسِّرينَ الذين بقِيَ تفسيرُهم مكتوبًا إلى اليومِ، بل هو أوّلُ مَن وصلَ إلينا مِنه تفسيرٌ كاملٌ للقرآنِ.
وقد كثُرَ الكلامُ في مُقَاتِلٍ نفسِه، فطَعنَ فيه بعضُهم طعنًا شديدًا ونسبُوه إلى ضلالٍ عظيمٍ في الاعتقادِ، وهو التّشبيهُ، ونفَى هو ذلك عن نفسِه، وقال ابْنُ تَيْمِيَّةَ في «منهاجِ السّنّةِ» بعدَ ما نقلَه الْأَشْعَرِيُّ في مُقَاتِلٍ: «وَأَمَّا مُقَاتِلٌ فَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ حَالِهِ، وَالْأَشْعَرِيُّ يَنْقُلُ هَذِهِ الْمَقَالَاتِ مِنْ كُتُبِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَفِيهِمُ انْحِرَافٌ عَلَى مُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ، فَلَعَلَّهُمْ زَادُوا فِي النَّقْلِ عَنْهُ ... أَوْ نَقَلُوا عَنْ غَيْرِ ثِقَةٍ، وَإِلَّا فَمَا أَظُنُّهُ يَصِلُ إِلَى هَذَا الْحَدِّ». وضعّفَه عامّةُ أهلِ الحديثِ في الرّوايةِ.
ومع ذلك كلِّه شَهِدَ له كثيرٌ مِن أهلِ العِلمِ بسَعةِ العِلمِ بالتّفسيرِ والإمامةِ فيه، وأَثنَى عددٌ مِن أئمّةِ السّلفِ على ما في تفسيرِه، ورأَى بعضُهم تَرْكَه الأسانيدَ نقصًا، كما رَوَى الْخَطِيبُ في «تاريخِ بَغْدَادَ» عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ أنّه نَظرَ في جزءٍ مِن تفسيرِه فقال: «يَا لَهُ مِنْ عِلْمٍ لَوْ كَانَ لَهُ إِسْنَادٌ».
ورَوَى ابْنُ عَدِيٍّ الْجُرْجَانِيُّ في «الكاملِ في ضعفاءِ الرّجالِ» عن نُعَيْمِ بْنِ حَمَّادٍ قال: «رَأَيْتُ عِنْدَ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ كِتَابًا لِمُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ، فَقُلْتُ لِسُفْيَانَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، تَرْوِي لِمُقَاتِلٍ فِي التَّفْسِيرِ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ أَسْتَدِلُّ بِهِ وَأَسْتَعِينُ بِهِ».
ورَوَى أيضًا عن الْعَبَّاسِ بْنِ مُصْعَبٍ الْمَرْوَزِيِّ أنّه قال فيه: «وَكَانَ حَافِظًا لِلتَّفْسِيرِ، وَكَانَ لَا يَضْبِطُ الإِسْنَادَ». فعِلمُه بالتّفسيرِ مشهودٌ له عند أهلِ العِلمِ كما تقدَّمَ، وهو مِن أمثلةِ مَن لم يُحسِنْ عِلمَ الإسنادِ مِنَ المتقدِّمينَ مع تقدُّمِه في التّفسيرِ.
فإذا نُقِلَ في هذا الكتابِ شيءٌ يسيرٌ مِن كلامِ مُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ فليس المقصودُ روايةَ الحديثِ عنه، وإنّما المقصودُ بيانُ أنّ ما في هذا الكتابِ يوافقُ أقدمَ ما دُوِّنَ في التّفسيرِ تمامَ الموافقةِ ولا يخالفُه بوجهٍ، وأنّ ما نُقِلَ عنه مِن ذلك يوافقُ ما رُوِيَ عن غيرِه مِنَ السّلفِ، وكان مِنَ العلماءِ مَن يستدلُّ بتفسيرِه ويستعينُ به، كما تقدَّمَ عن ابْنِ عُيَيْنَةَ. ↩