«باب» (٣): معنَى الإلهِ ومعنَى شهادةِ الإسلامِ
«فصل» (١): في معنَى الإلهِ وشهادةِ الإسلامِ وأنّ مشركِي قُرَيْشٍ كانوا أعلمَ به مِن كثيرٍ مِنَ المنتسِبينَ إلى الإسلامِ اليومَ
معنَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ هو «لا معبودَ حقٌّ إلّا اللَّهُ»(١)، لأنّ الإلهَ هو المعبودُ.
١٣ - قال الطَّبَرِيُّ في بيانِ معنَى الإلهِ في لغةِ العربِ: «أَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: اللَّهِ، فَإِنَّهُ عَلَى مَعْنَى مَا رُوِيَ لَنَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ الَّذِي يَأْلَهُهُ كُلُّ شَيْءٍ، وَيَعْبُدُهُ كُلُّ خَلْقٍ. وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا ... عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «اللَّهُ ذُو الْأُلُوهِيَّةِ وَالْعُبُودِيَّةِ(٢) عَلَى خَلْقِهِ أَجْمَعِينَ»
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: فَهَلْ لِذَلِكَ فِي فَعَلَ وَيَفْعَلُ أَصْلٌ كَانَ مِنْهُ بِنَاءُ هَذَا الِاسْمِ؟ قِيلَ: أَمَّا سَمَاعًا مِنَ الْعَرَبِ فَلَا، وَلَكِنِ اسْتِدْلَالًا. فَإِنْ قَالَ: وَمَا دَلَّ عَلَى أَنَّ الْأُلُوهِيَّةَ هِيَ الْعِبَادَةُ، وَأَنَّ الْإِلَهَ هُوَ الْمَعْبُودُ، وَأَنَّ لَهُ أَصْلًا فِي فَعَلَ وَيَفْعَلُ؟ قِيلَ: لَا تَمَانُعَ بَيْنَ الْعَرَبِ فِي الْحُكْمِ لِقَوْلِ الْقَائِلِ يَصِفُ رَجُلًا بِعِبَادَةٍ وَيَطْلُبُ مَا عِنْدَ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: تَأَلَّهَ فُلَانٌ بِالصِّحَّةِ وَلَا خِلَافَ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ الْعَجَّاجِ:
لِلَّهِ دَرُّ الْغَانِيَاتِ الْمُدَّهِ ... سَبَّحْنَ وَاسْتَرْجَعْنَ مِنْ تَأَلُّهِي(٣)
يَعْنِي: مِنْ تَعَبُّدِي وَطَلَبِي اللَّهَ بِعَمَلِي. وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّأَلُّهَ التَّفَعُّلُ مِنْ: أَلَهَ يَأْلَهُ، وَأَنَّ مَعْنَى أَلَهَ إِذَا نُطِقَ بِهِ: عَبَدَ اللَّهَ.
وَقَدْ جَاءَ مِنْهُ مَصْدَرٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَرَبَ قَدْ نَطَقَتْ مِنْهُ بِفَعِلَ يَفْعَلُ بِغَيْرِ زِيَادَةٍ وَذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا بِهِ ... عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ: ﴿وَيَذَرَكَ وَإِلَاهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧](٤) قَالَ: «عِبَادَتَكَ، وَيَقُولُ: إِنَّهُ كَانَ يُعْبَدُ وَلَا يَعْبُدُ»
وَحَدَّثَنَا ... عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَيَذَرَكَ وَإِلَاهَتَكَ﴾ قَالَ: «إِنَّمَا كَانَ فِرْعَوْنُ يُعْبَدُ وَلَا يَعْبُدُ. وَكَذَلِكَ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَؤُهَا وَمُجَاهِدٌ»
وَحَدَّثَنَا ... عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلَهُ: ﴿وَيَذَرَكَ وَإِلَاهَتَكَ﴾ قَالَ: «وَعِبَادَتَكَ» وَلَا شَكَّ أَنَّ الْإِلَاهَةَ عَلَى مَا فَسَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ أَلَهَ اللَّهَ فُلَانٌ إِلَاهَةً، كَمَا يُقَالُ: عَبَدَ اللَّهَ فُلَانٌ عِبَادَةً، وَعَبَرَ الرُّؤْيَا عِبَارَةً. فَقَدْ بَيَّنَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ هَذَا أَنَّ أَلَهَ: عَبَدَ، وَأَنَّ الْإِلَاهَةَ مَصْدَرُهُ». [تفسيرُ الطَّبَرِيِّ (ت ٣١٠هـ)]
وقد أساءَ كثيرٌ مِنَ النّاسِ فهمَ معنَى الإلهِ والشّهادةِ، وإنّما ذلك لكثرةِ انشغالِهم بالفلسفةِ المذمومةِ عن فهمِ كتابِ اللَّهِ وسنّةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ على مرادِ اللَّهِ وعن أقوالِ سلفِ هذه الأمّةِ، وقد مرَّ ما رُوِيَ عن الصّحابةِ رضي الله عنهم، وسيأتِي مزيدٌ.
بل إنّ مَن كان قليلَ الفهمِ والتّتبّعِ لمعانِي ألفاظِ القرآنِ لَيَعلمُ أنّ معنَى الإلهِ هو المعبودُ وليس الخالقَ أو القادرَ على الاختراعِ فقط كما ظنَّه هؤلاء. ولو كان معنَى الإلهِ الخالقَ لكان مشركُو العربِ موحِّدينَ، فقد كانوا يُقِرّونَ بأنّ اللَّهَ وحدَه خالقُهم ورازقُهم، كما سيأتِي. والأمثلةُ الآتيةُ تُبيِّنُ هذا.
الهوامش
- أو «لا معبودَ بحقٍّ إلّا اللَّهُ» على تفصيلِ ما يَذكرُه أهلُ العِلمِ عند الكلامِ على إعرابِ الشّهادةِ ومعناها المفصَّلِ وتقديرِ المحذوفِ مِنها، لكنّ كلَّ ذلك في معنًى واحدٍ. ↩
- في طبعةِ أحمد شاكر: «والمَعْبُودِيَّة». ↩
- رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ راجزٌ مشهورٌ. قال الْخَلِيلُ في «العَيْنِ»: ««الْغَانِيَةُ»: الشَّابَّةُ الْمُتَزَوِّجَةُ، يُقَالُ: غَنِيَتْ بِزَوْجِهَا، وَيُقَالُ: غَنِيَتْ بِجَمَالِهَا عَنِ الزِّينَةِ»، وقال: ««الْمَدْهُ» يُضَارِعُ الْمَدْحَ، إِلَّا أَنَّ الْمَدْهَ فِي نَعْتِ الْجَمَالِ وَالْهَيْئَةِ، وَالْمَدْحُ فِي كُلِّ شَيْءٍ»، وقال الْجَوْهَرِيُّ في «الصِّحاحِ»: ««الْمَادِهُ»: الْمَادِحُ، وَالْجَمْعُ «الْمُدَّهُ»». و«سَبَّحْنَ وَاسْتَرْجَعْنَ»: قُلنَ: «سبحانَ اللَّهِ»، و«إنّا للَّهِ وإنّا إليه راجعونَ». ↩
- هي قراءةُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ، وهي قراءةٌ شاذّةٌ، وقرأَ قُرّاءُ الأمصارِ: ﴿وَآلِهَتَكَ﴾، قال الطَّبَرِيُّ: «وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي لَا نَرَى الْقِرَاءَةَ بِغَيْرِهَا هِيَ الْقِرَاءَةُ الَّتِي عَلَيْهَا قَرَأَةُ الْأَمْصَارِ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقَرَأَةِ عَلَيْهَا». ↩