ibnu-musafir.com

مِن كتابِ «فِي بَيَانِ مَعْنَى الْإِسْلَامِ» · قراءة الكتاب بصيغة PDF

«باب» (١٤): الإسلامُ هو الإخلاصُ والحنيفيّةُ وملّةُ إِبْرَاهِيمَ والكفرُ بالطّاغوتِ، والمشركُ لا يُحقِّقُ شيئًا مِن ذلك

«فصل» (٢): الإسلامُ هو الإخلاصُ، والإخلاصُ لا يُوجَدُ في أحدٍ مِنَ المشركينَ، كما في أوّلِ سورةِ الزُّمَرِ

تكرّرَ مرارًا في الكتابِ والسّنّةِ وقولِ السّلفِ وصفُ الإسلامِ بالإخلاصِ، بل الإخلاصُ أساسُ الدِّينِ الذي بُنِيَ عليه.

١٤٥ - كما رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: «عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف: ٤٠] قَالَ: أُسِّسَ الدِّينُ عَلَى الْإِخْلَاصِ لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ». [تفسيرُ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ (ت ٣٢٧هـ)، وبمِثلِه عند الطَّبَرِيِّ]

وقال تعالَى في سورةِ الزُّمَرِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ۞ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ١ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ٢ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ٣﴾ [الزمر: ١-٣]. وسبقَ تفسيرُ هذه الآياتِ عن السّلفِ(١).

فثبتَ أنّ الإسلامَ هو الإخلاصُ وأنّ المسلمَ هو المخلِصُ، فمَن لم يُحقِّقْه فليس على الإسلامِ قطعًا. فمعنَى كلمةِ «مسلم» أنّ المسمَّى بها لا يَعبدُ إلّا اللَّهَ، ولذلك جعلَ أهلُ العِلمِ الإخلاصَ شرطًا مِن شروطِ الشّهادةِ(٢)، وإذا انتفَى الشّرطُ انتفَى الإسلامُ بلا شكٍّ.

فهدَى اللَّهُ الذين يُجوِّزونَ مشركًا يكونُ مسلمًا في الوقتِ نفسِه، فعندهم يجوزُ أن يُوجَدَ «مسلمٌ بلا إخلاصٍ» و«مسلمٌ بلا إسلامٍ»، وهذا تناقضٌ بيِّنٌ، وكيف يكونُ مَن صرّحَ بهذا عالمًا بمعنَى الشّهادةِ على الحقيقةِ؟

وهذا خطأُ كثيرٍ مِنَ النّاسِ اليومَ: يتصوّرونَ مسلمًا بلا إخلاصٍ ولا إسلامٍ، وذلك لأنّهم لا يَعلمونَ أنّ الإسلامَ إنّما هو عبادةُ اللَّهِ وحدَه لا شريكَ له. وحقيقةُ قولِهم أنّ معنَى الإسلامِ هو الانتسابُ إليه، فيكونُ كلُّ مَن يدّعِي الإسلامَ مسلمًا مهما قال ومهما فَعَلَ.

وهكذا يصيرُ الإسلامُ عندهم اسمًا لا حقيقةَ له، كمَثَلِ أعمَى يدّعِي أنّه مبصِرٌ، فإذا أناسٌ يقولونَ: نَعلمُ أنّه أعمَى، لكنّه مبصِرٌ لمجرَّدِ ادّعائِه. فماذا يُفهَمُ مِن قولِهم هذا إلّا أنّهم لا يَعرفونَ معنَى البصرِ والعمَى أو أنّهم يَعرفونَ معناهما ويُصِرُّونَ على قولِهم الباطلِ عنادًا؟

على هذا القولِ يُمكِنُ أن يكونَ الشّخصُ مشركًا غيرَ مشركٍ، بشرطِ أن يكونَ جاهلًا بحقيقةِ الإسلامِ ومنتسِبًا إليه، فيصيرُ عندهم مسلمًا معذورًا بالجهلِ! أي: صار مسلمًا لأنّه جهِلَ الإسلامَ! وهذا أمرٌ يكادُ لا يُصَدَّقُ، ولكنّه اليومَ اعتقادُ كثيرٍ مِنَ النّاسِ.

فكلمةُ «المسلم» تَحملُ معنًى معيَّنًا يتضمّنُ أفعالًا وصفاتٍ لا يأتِي بها أحدٌ مِنَ المشركينَ البتّةَ. وهذا ليس بغريبٍ إذ كان الإسلامُ نقيضَ الشّركِ، ولذلك يستحيلُ أن يجتمعَ الشّركُ الأكبرُ والإسلامُ في الشّخصِ الواحدِ في آنٍ واحدٍ. رجلٌ لا يَعبدُ إلّا اللَّهَ لا يُمكِنُ بحالٍ أن يكونَ رجلًا يَعبدُ غيرَ اللَّهِ.