ibnu-musafir.com

مِن كتابِ «فِي بَيَانِ مَعْنَى الْإِسْلَامِ» · قراءة الكتاب بصيغة PDF

«باب» (٣): معنَى الإلهِ ومعنَى شهادةِ الإسلامِ

«فصل» (٥): قولُه تعالَى ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾

قال تعالَى في سورةِ الزّمرِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ۞ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ١ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ٢ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ٣﴾ [الزمر: ١-٣]

أَرادتِ العربُ الشّفاعةَ مِن أوثانِهم، فتقرّبُوا إليها بالذّبحِ والدّعاءِ والمحبّةِ والخوفِ، وهذا عبادةٌ لها، فكان منافِيًا لإخلاصِ العبادةِ للَّهِ تعالَى، ولهذا كانوا مشركينَ.

ومِن أهلِ الجهلِ في هذا الزّمانِ مَن يتلاعبُ بهذه الآيةِ على فهمِه هو، فيزعمونَ أنّها مقصورةٌ على الشّركِ في الرّبوبيّةِ، وأنّ الشّركَ المذكورَ فيها إنّما هو في الاعتقادِ، فلا تكونُ العبادةُ عندهم شركًا إلّا إذا اقترنَ بها اعتقادُ الاستقلالِ في المعبودِ، على عادةِ مَن ضلَّ عن التّفسيرِ المأثورِ عن السّلفِ، ولكنّ السّلفَ أعلمُ مِنهم بلا شكٍّ(١).

٢٨ - وقال الطَّبَرِيُّ في الآيةِ: «عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] قَالَ: قُرَيْشٌ تَقُولُهُ لِلْأَوْثَانِ، وَمَنْ قَبْلَهُمْ يَقُولُهُ لِلْمَلَائِكَةِ وَلِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَلِعُزَيْرٍ»

«عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] قَالُوا: مَا نَعْبُدُ هَؤُلَاءِ إِلَّا لِيَشْفَعُوا لَنَا عِنْدَ اللَّهِ»

«عَنِ السُّدِّيِّ، فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] قَالَ: هِيَ مَنْزِلَةٌ»

«قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] قَالَ: قَالُوا هُمْ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ، وَهُمُ الَّذِينَ يُقَرِّبُونَنَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِلْأَوْثَانِ، وَالزُّلْفَى: الْقُرْبُ». [تفسيرُ الطَّبَرِيِّ (ت ٣١٠هـ)]

فلو قال رجلٌ واحدٌ مِن هؤلاء المفسِّرينَ مِنَ السّلفِ هذا القولَ ما شكَّ عاقلٌ أنّه أعلمُ بشركِ العربِ وحقيقةِ حالِهم لقربِه مِنهم في الزّمنِ واطّلاعِه على أخبارِهم. فكيف إذا رُوِيَ هذا عن جماهيرِهم؟ أَوَ بعدَ كلِّ هذا نلتفتُ إلى أيِّ فيلسوفٍ كبيرٍ يَخرجُ في هذه الأزمنةِ المتأخِّرةِ التي يَغرَقُ النّاسُ فيها في الجهلِ والضّلالِ؟ فأين يُذهَبُ بهم عن أقوالِ السّلفِ؟

٢٩ - وقال الطَّبَرِيُّ في معنَى الآيةِ: «وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٣] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَ هَؤُلَاءِ الْأَحْزَابِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا فِي الدُّنْيَا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ فِي الدُّنْيَا مِنْ عِبَادَتِهِمْ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ فِيهَا، بِأَنْ يُصْلِيَهِمْ جَمِيعًا جَهَنَّمَ، إِلَّا مَنْ أَخْلَصَ الدِّينَ لِلَّهِ، فَوَحَّدَهُ، وَلَمْ يُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا». [تفسيرُ الطَّبَرِيِّ (ت ٣١٠هـ)]

الهوامش

  1. انظرِ الفصلَ (٧) «مَن يقولُ إنّ العبادةَ لا تكونُ شركًا حتّى يُشرِكَ في الرّبوبيّةِ» في آخرِ هذا البابِ. ↩