«باب» (٣): معنَى الإلهِ ومعنَى شهادةِ الإسلامِ
«فصل» (٧): مَن يقولُ إنّ العبادةَ لا تكونُ شركًا حتّى يُشرِكَ في الرّبوبيّةِ
ومِنَ النّاسِ مَن يَصرِفُ الشّهادةَ عن معناها، إذ يقولُ إنّ العبادةَ عندما تُذكَرُ في الكتابِ والسّنّةِ ليستْ مقصودةً لذاتِها، فمَن عَبدَ غيرَ اللَّهِ عبادةً ظاهرةً ليس فعلُه شركًا باللَّهِ حتّى يكونَ مقرونًا بالإشراكِ في الرّبوبيّةِ، على قولِ أولئك القومِ.
فالعجبُ بعدَ هذا البيانِ مِن قولِهم، إذ كيف يدّعِي عاقلٌ أنّ اللَّهَ أَرادَ شيئًا ثمّ سمّاه بما ليس مهمًّا فيه وبما لا تأثيرَ له في نفسِ الأمرِ؟!
فأوّلُ أمرٍ في كتابِ اللَّهِ هو الأمرُ بالعبادةِ، قال تعالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ٢١﴾ [البقرة: ٢١]، ويأتِي هؤلاء القومُ موهِمينَ أنّ اللَّهَ إنّما أَرادَ بذلك: «لا تُشرِكُوا باللَّهِ صاحبةً ولا ولدًا».
﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ٤٠﴾ [يوسف: ٤٠]، فمعناه على هذا القولِ المنحرفِ مثلًا: «ما تَنسُِبونَ إلى اللَّهِ الولدَ ونحوَه إلّا تسميةً لا حقيقةَ لها، وأمَرَ اللَّهُ ألّا تَنسُِبُوا له الولدَ ونحوَه».
ومِثلُ ذلك في قولِه تعالَى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ١٨﴾ [يونس: ١٨]
وفي سورةِ الزّمرِ: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ١١ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ ١٢ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ١٣ قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي ١٤ فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ١٥﴾ [الزمر: ١١-١٥]
وكيف يقولُ المسلمُ في كلِّ ركعةٍ مِن صلاتِه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥]، ويُكرِّرُ ذلك في اليومِ والليلةِ سبعَ عشرةَ مرّةً على الأقلِّ، إن لم تكنِ العبادةُ هي المقصودَ؟
٣٥ - وقال النّبيُّ ﷺ في روايةٍ لحديثِ الْبُخَارِيِّ الذي سبقَ في أوّلِ الكتابِ برقمِ (٥): «الْإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ». [صحيحُ الْبُخَارِيِّ (ت ٢٥٦هـ)، متّفقٌ عليه]
فيَلزمُ أن يكونَ معناه عند هؤلاء: «الإسلامُ ألّا تَنسُِبَ إلى اللَّهِ الولدَ ونحوَه وتَجعلَه واحدًا في الخلقِ والرَّزقِ ونحوِهما».
والمواضعُ التي فيها ذِكرُ الأمرِ بعبادةِ اللَّهِ وحدَه والنّهيِ عن الشّركِ فيها لا تنحصرُ عددًا كما يَعلمُ ضرورةً كلُّ مَن نظرَ في نصوصِ هذا الدِّينِ، وعلى قولِ هؤلاء سمَّى اللَّهُ تعالَى في كلِّ هذه المواضعِ العبادةَ، مع كونِها لا تُؤثِّرُ في حقيقةِ الأمرِ شيئًا! فمَن عَبدَ غيرَ اللَّهِ يكونُ مسلمًا مخلِصًا للَّهِ تعالَى عندهم، ما لم ينضمَّ إلى فعلِه شيءٌ مِن اعتقادِ الولدِ الذي يتصرّفُ في الكونِ مستقلًّا عن اللَّهِ تعالَى ونحوِه. ولذلك تراهم كثيرًا يشترطونَ استقلالَ المعبودِ في القدرةِ عن قدرةِ اللَّهِ تعالَى، فليس العابدُ عندهم مشركًا حتّى يعتقدَ في معبودِه الاستقلالَ عن اللَّهِ تعالَى، بل يُنكِرونَ كونَه عابدًا أصلًا، فيقولُ مَن بلغَ مبلغَه مِنَ الكِبْرِ مِنهم إنّه لا يُسمَّى عابدًا أصلًا حتّى يعتقدَ استقلالَ المعبودِ.
كلُّ هذا مع دوَرانِ هذا الدِّينِ ونصوصِه على لفظِ العبادةِ والنّهيِ عن الإشراكِ فيها.