ibnu-musafir.com

مِن كتابِ «فِي بَيَانِ مَعْنَى الْإِسْلَامِ» · قراءة الكتاب بصيغة PDF

«باب» (٣): معنَى الإلهِ ومعنَى شهادةِ الإسلامِ

«فصل» (٦): التّنبيهُ إلى الأصلِ المهمِّ في الشّرعِ واللّغةِ أنّ الشّيءَ يُسمَّى بأهمِّ ما فيه

قد تبيّنَ أنّ الإسلامَ هو الاستسلامُ للَّهِ تعالَى وإخلاصُ العبادةِ له، وستأتِي نصوصٌ كثيرةٌ تُثبِتُ هذا وتُرسِّخُه. وعلى نحوِه ستأتِي تسميةُ الإسلامِ بالحنيفيّةِ وغيرِ ذلك مِنَ العباراتِ. فيَحسُنُ هنا تقديمُ أصلٍ مهمٍّ يُبيِّنُ أنّ الشّيءَ في الشّرعِ وفي لغةِ العربِ يُسمَّى ويُوصَفُ بأهمِّ أجزائِه وأعظمِ ما فيه. وكثيرًا ما يَحصلُ ذلك بألفاظٍ متعدِّدةٍ تَرجعُ إلى أصلٍ واحدٍ في المعنَى، وهذه العباراتُ والألفاظُ عندئذٍ متداخِلةٌ في المعنَى يشدُّ بعضُها بعضًا. ومثالُ ذلك:

٣٠ - رَوَى التِّرْمِذِيُّ: «عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ، أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِعَرَفَةَ فَسَأَلُوهُ، فَأَمَرَ مُنَادِيًا، فَنَادَى: «الحَجُّ عَرَفَةُ ...»»

[سننُ التِّرْمِذِيِّ (ت ٢٧٩هـ)، وبنحوِه عند أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ وَابْنِ مَاجَه وَالنَّسَائِيِّ](١)

ومعناه أنّ الوقوفَ بعَرَفَةَ هو الرّكنُ الأعظمُ في الحجِّ ومَن فاتَه الوقوفُ فاتَه الحجُّ.

٣١ - وقال التِّرْمِذِيُّ بعدَ الحديثِ: «وَالعَمَلُ عَلَى حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ مَنْ لَمْ يَقِفْ بِعَرَفَاتٍ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ فَقَدْ فَاتَهُ الحَجُّ». [سننُ التِّرْمِذِيِّ (ت ٢٧٩هـ)]

٣٢ - وعند مُسْلِمٍ: «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ» ثَلَاثًا غَيْرُ تَمَامٍ. فَقِيلَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّا نَكُونُ وَرَاءَ الْإِمَامِ؟ فَقَالَ: اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ٢﴾ [الفاتحة: ٢]، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ٣﴾ [الفاتحة: ٣]، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ٤﴾ [الفاتحة: ٤]، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي - وَقَالَ مَرَّةً فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي - فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ٥﴾ [الفاتحة: ٥] قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ٦ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ٧﴾ [الفاتحة: ٦-٧] قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ»». [صحيحُ مُسْلِمٍ (ت ٢٦١هـ)]

سمَّى اللَّهُ تعالَى هنا الفاتحةَ بالصّلاةِ لمّا قال «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ» ثمّ بيّنَ كيف قِسمةُ سورةِ الفاتحةِ في الصّلاةِ، ذلك لأنّها أعظمُ ركنٍ في الصّلاةِ.

وسمَّى اللَّهُ الصّلاةَ إيمانًا في قولِه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ١٤٣﴾ [البقرة: ١٤٣]، لأنّها أعظمُ عملٍ في الإيمانِ بعدَ أساسِه الذي هو التّوحيدُ والإخلاصُ، واستدلَّ بها أئمّةُ السّنّةِ على أنّ الأعمالَ مِنَ الإيمانِ، إذ سُمِّيَتِ الصّلاةُ إيمانًا وهي عملٌ.

٣٣ - قال أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ: «﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ١٤٣﴾ [البقرة: ١٤٣]، وَإِنَّمَا نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ تُوُفُّوا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُمْ عَلَى الصَّلَاةِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. فَأَيُّ شَاهِدٍ يُلْتَمَسُ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ مِنَ الْإِيمَانِ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ؟» [كتابُ الإيمانِ، لِأَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ (ت ٢٢٤هـ)]

٣٤ - وترجمَ الْبُخَارِيُّ في «صحيحِه»: «بَابٌ: الصَّلَاةُ مِنَ الْإِيمَانِ، وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] يَعْنِي: صَلَاتَكُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ»، ورَوَى فيه عن الْبَرَاءِ: «... أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْقِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ رِجَالٌ وَقُتِلُوا، فَلَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾». [صحيحُ الْبُخَارِيِّ (ت ٢٥٦هـ)]

هذه أمثلةٌ يَذكرُها أهلُ العِلمِ في هذا المقامِ.

فالشّيءُ يُسمَّى بأهمِّ أجزائِه كما ظهرَ مِنَ الأمثلةِ المذكورةِ، وهو في تسميةِ الإسلامِ أوضحُ. وعلى وَفْقِ ما قِيلَ هنا جاء بيانُ معنَى الإسلامِ في نصوصِ الشّرعِ بأنّه الإخلاصُ، وإخلاصُ العبادةِ والطّاعةِ للَّهِ، وإخلاصُ الدِّينِ للَّهِ، وإسلامُ الوجهِ للَّهِ تعالَى، والحنيفيّةُ، والإيمانُ باللَّهِ والكفرُ بالطّاغوتِ، وتوحيدُ العبادةِ، وعبادةُ اللَّهِ وحدَه لا شريكَ له، وملّةُ إِبْرَاهِيمَ.

فكلُّ هذا يدلُّ على أهمِّ معنًى في الإسلامِ وعلى الأساسِ الذي بُنِيَ عليه، والعباراتُ متداخِلةٌ كلُّ عبارةٍ تدلُّ على هذا المعنَى مِن جانبٍ. وهذه طريقةُ النّبيِّ ﷺ والصّحابةِ رضي الله عنهم وأئمّةِ السّلفِ مِن بعدِهم رحمهم الله في تقريرِ أمورِ الدِّينِ.

الهوامش

  1. قال سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: «وَهَذَا أَجْوَدُ حَدِيثٍ رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ»، وقال وَكِيعٌ: «هَذَا الحَدِيثُ أُمُّ المَنَاسِكِ»، رواهما التِّرْمِذِيُّ بعدَ الحديثِ. ↩