«باب» (٢): معنَى كلمةِ الإسلامِ وأهمّيّةُ هذا المعنَى وبيانُ النّبيِّ ﷺ له
«فصل» (١): وَصْفُ النّبيِّ ﷺ الإسلامَ بأنّه إفرادُ اللَّهِ بالعبادةِ وتَرْكُ الشّركِ
٥ - رَوَى الْبُخَارِيُّ عن أَبِي هُرَيْرَةَ حديثَ جِبْرِيلَ، وفيه أنّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: «الْإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ ...» [صحيحُ الْبُخَارِيِّ (ت ٢٥٦هـ)، متّفقٌ عليه]
فالإسلامُ هو عبادةُ اللَّهِ وعدمُ الإشراكِ به. فمَن لم يَعبدِ اللَّهَ كان مستكبِرًا، كما قال تعالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]، ومَن عبدَه وعبدَ معه غيرَه كان مشركًا غيرَ مسلمٍ. وما ذُكِرَ في الحديثِ بعدَ ذلك مِنَ الشّرائعِ، مع عِظَمِ شأنِها، مبنيٌّ كلُّه على التّوحيدِ، فمَن صلَّى وصامَ وحجَّ ولم يُحقِّقِ التّوحيدَ لم يُقبَلْ مِنه شيءٌ. والفرقُ بينَ هذا الأصلِ وما بُنِيَ عليه يَظهرُ مِن وجوهٍ:
الأوّلُ:أنّ مَن جهِلَ الصّلاةَ أو غيرَها مِنَ الشّرائعِ لأنّ النّصَّ في وجوبِها لم يَبلغْه فهو مسلمٌ معذورٌ بجهلِه، بخلافِ التّوحيدِ، إذ كيف يكونُ محقِّقًا للإسلامِ مَن جهِلَ الإسلامَ؟ ومعلومٌ ببداهةِ العقولِ أنّ إسلامَ المرءِ يقتضِي قصدًا ونيّةً، وأنّى لمَن جهِلَ شيئًا أن يُحقِّقَه قاصدًا إليه؟
٦ - رَوَى ابْنُ مَاجَه: «عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَدْرُسُ الْإِسْلَامُ كَمَا يَدْرُسُ وَشْيُ الثَّوْبِ(١)، حَتَّى لَا يُدْرَى مَا صِيَامٌ وَلَا صَلَاةٌ وَلَا نُسُكٌ وَلَا صَدَقَةٌ، وَلَيُسْرَى عَلَى كِتَابِ اللَّهِ عز وجل فِي لَيْلَةٍ، فَلَا يَبْقَى فِي الْأَرْضِ مِنْهُ آيَةٌ، وَتَبْقَى طَوَائِفُ مِنَ النَّاسِ، الشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْعَجُوزُ، يَقُولُونَ: أَدْرَكْنَا آبَاءَنَا عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَنَحْنُ نَقُولُهَا». فَقَالَ لَهُ صِلَةُ(٢): مَا تُغْنِي عَنْهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَهُمْ لَا يَدْرُونَ مَا صَلَاةٌ وَلَا صِيَامٌ وَلَا نُسُكٌ وَلَا صَدَقَةٌ؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ حُذَيْفَةُ، ثُمَّ رَدَّهَا عَلَيْهِ ثَلَاثًا، كُلَّ ذَلِكَ يُعْرِضُ عَنْهُ حُذَيْفَةُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ فِي الثَّالِثَةِ، فَقَالَ: يَا صِلَةُ، تُنْجِيهِمْ مِنَ النَّارِ، ثَلَاثًا». [سننُ ابْنِ مَاجَه (ت ٢٧٣هـ)](٣)
والحديثُ فيمَن بقِيَ على التّوحيدِ وجهِلَ الشّرائعَ لاندراسِ العِلمِ بها، لا فيمَن قالَ الكلمةَ ولم يَعرفْ معناها أو نقضَها بعبادةِ غيرِ اللَّهِ، فإنّها لا تنفعُ إلّا مَن عَلِمَ معناها وعمِلَ به(٤).
الثّانِي:أنّ الشّرائعَ تختلفُ بينَ الأنبياءِ، والتّوحيدُ واحدٌ لا يختلفُ، كما قال النّبيُّ ﷺ: «الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ(٥)، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ»، متّفقٌ عليه، وسيأتِي في البابِ (١١) «الإسلامُ العامُّ دينُ الأنبياءِ جميعًا».
الثّالثُ:أنّ التّوحيدَ أوّلُ ما يُدعَى إليه، ثمّ تأتِي الشّرائعُ بعدَه، كما في حديثِ مُعَاذٍ الذي سبقَ ذِكرُه في البابِ الأوّلِ برقمِ (١): «فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ، فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ ...».
الرّابعُ:أنّ الشّرائعَ نزلتْ بعدَ التّوحيدِ شيئًا فشيئًا، وقد ماتَ مِنَ المسلمينَ بِمَكَّةَ مَن ماتَ قبلَ أن يُفرَضَ الصّيامُ والحجُّ(٦)، فلو كانت شرطًا في أصلِ الإسلامِ لما تأخّرَ نزولُها.
٧ - وفي حديثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عن أبيه عند مُسْلِمٍ: «وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا». قَالَ: صَدَقْتَ ...» [صحيحُ مُسْلِمٍ (ت ٢٦١هـ)]
فإنّه ﷺ لم يُرِدْ أن يَشهدَ المرءُ أن لا معبودَ حقٌّ إلّا اللَّهُ وإن كان يَعبدُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وقتَ شهادتِه واستمرَّ على عبادةِ الأوثانِ، جهلًا مِنه أنّ هذا ينافِي معنَى الشّهادةِ. وهل يَفهمُ هذا المعنَى مِنَ الحديثِ المذكورِ إلّا مَن هو نفسُه جاهلٌ بالإسلامِ؟
الهوامش
- «يَدْرُسُ»: يَعفُو ويَذهبُ أثرُه، و«وَشْيُ الثّوبِ»: نقشُه. ↩
- هو صِلَةُ بْنُ زُفَرَ الْعَبْسِيُّ، صاحبُ حُذَيْفَةَ. ↩
- صحّحَه الْحَاكِمُ على شرطِ مُسْلِمٍ، وقال الْبَزَّارُ: «وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ أَبِي مَالِكٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ حُذَيْفَةَ مَوْقُوفًا»، والأشبهُ أنّه موقوفٌ على حُذَيْفَةَ، ومِثلُه لا يُقالُ بالرّأيِ، واللَّهُ أعلمُ. ↩
- انظرِ البابَ (١٧)، الفصلَ (١) «العِلمُ بالمعنَى مِن شروطِ شهادةِ الإسلامِ، وقولُه تعالَى ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾». ↩
- العَلّاتُ: الضَّرائرُ، وبنو العَلّاتِ: الإخوةُ لأبٍ واحدٍ مِن أمّهاتٍ شتّى. ↩
- وإنّما فُرِضَ صيامُ رمضانَ بالمدينةِ، ففي «الطَّبقاتِ الكبيرِ» لِابْنِ سَعْدٍ: «نَزَلَ فَرْضُ شَهْرِ رَمَضَانَ بَعْدَمَا صُرِفَتِ الْقِبْلَةُ إِلَى الْكَعْبَةِ بِشَهْرٍ فِي شَعْبَانَ عَلَى رَأْسِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ مُهَاجَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ». ↩