ibnu-musafir.com

مِن كتابِ «فِي بَيَانِ مَعْنَى الْإِسْلَامِ» · قراءة الكتاب بصيغة PDF

«باب» (١): أفضلُ عِلمٍ هو معرفةُ اللَّهِ ومعرفةُ توحيدِه وهو أعظمُ ما يُسعَى في طلبِه

العِلمُ باللَّهِ تعالَى وتوحيدِه هو أسمَى ما يَطلبُه كلُّ طالبٍ وهو ما خُلِقَ له بنُو آدَمَ، قال تعالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ١٢﴾ [الطلاق: ١٢]. وهو أوّلُ ما يُدعَى إليه الإنسانُ.

١ - رَوَى الْبُخَارِيُّ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا رضي الله عنه عَلَى الْيَمَنِ، قَالَ: «إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ، فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ ...»»

وفي روايةٍ له: «فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالَى، فَإِذَا عَرَفُوا ذَلِكَ ...» [صحيحُ الْبُخَارِيِّ (ت ٢٥٦هـ)، متّفقٌ عليه]

٢ - وذَكرَ أَبُو نُعَيْمٍ: «قَالَ سُفْيَانُ(١): أَفْضَلُ الْعِلْمِ الْعِلْمُ بِاللَّهِ، وَالْعِلْمُ بِأَمْرِ اللَّهِ، فَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ عَالِمًا بِاللَّهِ، وَعَالِمًا بِأَمْرِ اللَّهِ فَقَدْ بَلَغَ، وَلَمْ تَصِلْ إِلَى الْعِبَادِ نِعْمَةٌ أَفْضَلُ مِنَ الْعِلْمِ بِاللَّهِ، وَالْعِلْمِ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَلَمْ يَصِلْ إِلَيْهِمْ عُقُوبَةٌ أَشَدُّ مِنَ الْجَهْلِ بِاللَّهِ، وَالْجَهْلِ بِأَمْرِ اللَّهِ»

«قَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: خَرَجَ أَهْلُ الدُّنْيَا مِنَ الدُّنْيَا وَلَمْ يَذُوقُوا أَطْيَبَ شَيْءٍ فِيهَا، قَالُوا: وَمَا هُوَ يَا أَبَا يَحْيَى؟ قَالَ: مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى»

«... سَمِعْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ، يَقُولُ: أَهْلُ الدُّنْيَا خَرَجُوا مِنَ الدُّنْيَا قَبْلَ أَنْ يَتَطَعَّمُوا أَطْيَبَ مَا فِيهَا، قِيلَ لَهُ: وَمَا أَطْيَبُ مَا فِيهَا؟ قَالَ: الْمَعْرِفَةُ بِاللَّهِ عز وجل». [حِلْيَةُ الأولياءِ، لِأَبِي نُعَيْمٍ (ت ٤٣٠هـ)]

وهذا العِلمُ هو الذي يُورِثُ في القلبِ الصّادقِ محبّةَ اللَّهِ والخوفَ مِنه سبحانَه، وقد قال تعالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].

٣ - كما رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: «قَالَ بُدَيْلٌ: مَنْ عَرَفَ رَبَّهُ أَحَبَّهُ، وَمَنْ عَرَفَ الدُّنْيَا زَهِدَ فِيهَا، ...» [الزُّهدُ والرَّقائقُ، لِابْنِ الْمُبَارَكِ (ت ١٨١هـ)]

٤ - ورَوَى مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ: «عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْحَوَارِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ عَاصِمٍ الْأَنْطَاكِيَّ، يَقُولُ: مَنْ كَانَ بِاللَّهِ أَعْرَفَ كَانَ مِنَ اللَّهِ أَخْوَفَ، قَالَ أَحْمَدُ: صَدَقَ وَاللَّهِ». [تَعظيمُ قَدْرِ الصَّلاةِ، لِمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ (ت ٢٩٤هـ)]

فَلْتَعْلُ همّةُ مَن أرادَ الخيرَ لنفسِه أن يَسعَى لفهمِ هذا الأمرِ العظيمِ.

الهوامش

  1. هو سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، ذكرَ أَبُو نُعَيْمٍ قولَه هذا في ترجمتِه. ↩