«باب» (١٧): المشركُ لا يَعرفُ معنَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
«فصل» (١): العِلمُ بالمعنَى مِن شروطِ شهادةِ الإسلامِ، وقولُه تعالَى ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾
لا شكَّ أنّ المرءَ لا يُمكِنُ أن يكونَ مسلمًا إلّا إذا حقّقَ شرطَ العِلمِ بشهادةِ أن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. لا بدَّ أن يَعلمَ المعنَى وأن يَعملَ به عن عِلمٍ وقصدٍ، وهذا معلومٌ ببدائهِ العقولِ. إذ لو أنّ رجلًا لا يَعرفُ العربيّةَ سمِعَ «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» فنطقَ بمِثلِ ما سمعَ دونَ عِلمٍ بمعناه، لم يكنْ مسلمًا بنطقِه بالشّهادةِ، بإجماعِ المسلمينَ. قال تعالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ …﴾ [محمد: ١٩]
١٧٠ - قال الطَّبَرِيُّ في الآيةِ: «يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ: فَاعْلَمْ يَا مُحَمَّدُ أَنَّهُ لَا مَعْبُودَ تَنْبَغِي أَوْ تَصْلُحُ لَهُ الْأُلُوهَةُ، وَيَجُوزُ لَكَ وَلِلْخَلْقِ عِبَادَتُهُ، إِلَّا اللَّهُ الَّذِي هُوَ خَالِقُ الْخَلْقِ، وَمَالِكُ كُلِّ شَيْءٍ، يَدِينُ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ كُلُّ مَا دُونَهُ». [تفسيرُ الطَّبَرِيِّ (ت ٣١٠هـ)]
١٧١ - وبوّبَ الْبُخَارِيُّ: «بَابٌ: الْعِلْمُ قَبْلَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] فَبَدَأَ بِالْعِلْمِ». [صحيحُ الْبُخَارِيِّ (ت ٢٥٦هـ)]
١٧٢ - ورَوَى مُسْلِمٌ: «عَنْ عُثْمَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ»». [صحيحُ مُسْلِمٍ (ت ٢٦١هـ)]
والمشركُ الجاهلُ لا يَعلمُ معنَى التّوحيدِ، ولو عَلِمَه ما كان مشركًا جاهلًا أصلًا، بل كان عندئذٍ عالمًا ببطلانِ الشّركِ، ومع ذلك معانِدًا مُصِرًّا على إظهارِ شركِه.
١٧٣ - وبوّبَ ابْنُ مَنْدَه: «ذِكْرُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَائِلَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ مُسْتَيْقِنًا مُعْتَقِدًا بِهَا قَلْبُهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ». [كتابُ الإيمانِ، لِابْنِ مَنْدَه (ت ٣٩٥هـ)]
١٧٤ - ثمّ ذكرَ الحديثَ الذي عند مُسْلِمٍ، أنّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال لِأَبِي هُرَيْرَةَ: «اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ هَاتَيْنِ، فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ، فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ». [صحيحُ مُسْلِمٍ (ت ٢٦١هـ)]
١٧٥ - ورَوَى النَّسَائِيُّ: «عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ مَاتَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، مُوقِنًا مِنْ قَلْبِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ»». [السّننُ الكُبرى، لِلنَّسَائِيِّ (ت ٣٠٣هـ)، ورواه الطَّبَرَانِيُّ وابْنُ مَنْدَه وغيرُهما]
١٧٦ - وبوّبَ أَبُو عَوَانَةَ: «بَيَانُ الْأَعْمَالِ وَالْفَرَائِضِ الَّتِي إِذَا أَدَّاهَا بِالْقَوْلِ وَالْعَمَلِ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْفَعُهُ الْإِقْرَارُ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ بِهِ قَلْبُهُ وَيُرِيدَ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ عز وجل بِمَا يُحَرَّمُ بِهِ عَلَى النَّارِ». [مُستَخرَجُ أَبِي عَوَانَةَ (ت ٣١٦هـ)]
ثمّ ساقَ عددًا مِنَ الأحاديثِ، سبقَ في هذا الكتابِ كثيرٌ مِنها أو ما في معناها.
١٧٧ - قال مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ: «وَكَذَلِكَ حِينَ أَجَابَ النَّبِيُّ ﷺ جِبْرِيلَ بِقَوْلِهِ: «الْإِسْلَامُ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» لَمْ يُرِدْ شَهَادَةً بِاللِّسَانِ كَشَهَادَةِ الْمُنَافِقِينَ، وَلَكِنْ أَرَادَ شَهَادَةً بَدْؤُهَا مِنَ الْقَلْبِ بِالتَّصْدِيقِ بِاللَّهِ بِأَنَّهُ وَاحِدٌ». [تَعظيمُ قَدْرِ الصَّلاةِ، لِمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ (ت ٢٩٤هـ)]
١٧٨ - ورَوَى مُسْلِمٌ عن أَبِي هُرَيْرَةَ أنّ النّبيَّ ﷺ قال: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، لَا يَلْقَى اللَّهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا، إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ». [صحيحُ مُسْلِمٍ (ت ٢٦١هـ)]
وكيف يكونُ غيرَ شاكٍّ في أمرٍ مَن لا يَعلمُ معناه أصلًا؟