«باب» (١٧): المشركُ لا يَعرفُ معنَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
«فصل» (٢): معنَى الشّهادةِ أن يَعلمَ الشّاهدُ ما شَهِدَ به، وقولُه تعالَى ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾
قال تعالَى: ﴿… إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ٨٦﴾ [الزخرف: ٨٦]
لفظُ الشّهادةِ يتضمّنُ عِلمَ الشّاهدِ بما يَشهدُ به، فهذا شرطٌ لصحّةِ شهادتِه. فإذا لم يتحقّقِ العِلمُ كانت شهادةَ زورٍ وكذبٍ، فلا تُتَصوَّرُ شهادةٌ دونَ عِلمٍ وفهمٍ لِما يَشهدُ به.
١٧٩ - ورَوَى الطَّبَرِيُّ: «عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾ [الزخرف: ٨٦] قَالَ: عِيسَى وَعُزَيْرٌ وَالْمَلَائِكَةُ، ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ قَالَ: كَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ، ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ ٨٦﴾ أَنَّ اللَّهَ حَقٌّ، عِيسَى وَعُزَيْرٌ وَالْمَلَائِكَةُ. يَقُولُ: لَا يَشْفَعُ عِيسَى وَعُزَيْرٌ وَالْمَلَائِكَةُ إِلَّا لِمَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ، وَهُوَ يَعْلَمُ الْحَقَّ». [تفسيرُ الطَّبَرِيِّ (ت ٣١٠هـ)]
١٨٠ - وجاء عن يَحْيَى بْنِ سَلَّامٍ: «﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ٨٦﴾ [الزخرف: ٨٦] وَقُلُوبُهُمْ مُخْلِصَةٌ بِشَهَادَةِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، يَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ». [تفسيرُ يَحْيَى بْنِ سَلَّامٍ (ت ٢٠٠هـ)]
١٨١ - وجاء عن مُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ: «﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾ [الزخرف: ٨٦] يَقُولُ: لَا تَقْدِرُ الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ يَعْبُدُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ الشَّفَاعَةَ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ وَنَفَرًا مَعَهُ قَالُوا: إِنْ كَانَ مَا يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا فَنَحْنُ نَتَوَلَّى الْمَلَائِكَةَ، وَهُمْ أَحَقُّ بِالشَّفَاعَةِ مِنْ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَلَا يَمْلِكُ﴾ يَقُولُ: وَلَا يَقْدِرُ ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ ﴿الشَّفَاعَةَ﴾، يَقُولُ: لَا تَقْدِرُ الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ عَلَى الشَّفَاعَةِ لِأَحَدٍ،
ثُمَّ اسْتَثْنَى فَقَالَ: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ يَعْنِي بِالتَّوْحِيدِ مِنْ بَنِي آدَمَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ ٨٦﴾ أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ، فَشَفَاعَتُهُمْ لِهَؤُلَاءِ. قَوْلُهُ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ﴾ [الزخرف: ٨٧] يَعْنِي أَهْلَ مَكَّةَ: كُفَّارَهُمْ ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ: خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، نَزَلَتْ فِي آخِرِهَا ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾
فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ خَلَقَكُمْ وَرَزَقَكُمْ وَخَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ؟ فَقَالُوا: اللَّهُ خَالِقُ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا، وَهُوَ خَلَقَنَا.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ: قُلْ لَهُمْ: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ٨٧﴾ يَقُولُ: مِنْ أَيْنَ يُكَذِّبُونَ بِأَنَّهُ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنْتُمْ مُقِرُّونَ أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ الْأَشْيَاءِ وَخَلَقَكُمْ، وَلَمْ يُشَارِكْهُ أَحَدٌ فِي مُلْكِهِ فِيمَا خَلَقَ؟ فَكَيْفَ تَعْبُدُونَ غَيْرَهُ؟» [تفسيرُ مُقَاتِلٍ (ت ١٥٠هـ)]
١٨٢ - وبه تَفهمُ معنَى قولِ النّبيِّ ﷺ الذي رواه الْبُخَارِيُّ: «عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَمُعَاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ، قَالَ: «يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ»، قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: «يَا مُعَاذُ»، قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ - ثَلَاثًا - قَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ، إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ»». [صحيحُ الْبُخَارِيِّ (ت ٢٥٦هـ)]
١٨٣ - ورواه أَحْمَدُ بلفظِ: «عَنْ مُعَاذٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صَادِقًا مِنْ قَلْبِهِ، دَخَلَ الْجَنَّةَ»».
[مسندُ أَحْمَدَ (ت ٢٤١هـ)](١)
فقد عرفتَ معنَى الشّهادةِ وأن لا شهادةَ إلّا بعِلمٍ. ثمّ زادَه النّبيُّ ﷺ هاهنا بيانًا وتأكيدًا، فشَرَطَ أن يَشهدَ صادقًا مِن قلبِه، وهذا يستحيلُ مِمَّن لا يَعرفُ المعنَى أصلًا.
الهوامش
- ورواه النَّسَائِيُّ بالإسنادِ نفسِه بلفظِ «مُوقِنًا مِنْ قَلْبِهِ»، وقد سبقَ برقمِ (١٧٥) في الفصلِ (١) «العِلمُ بالمعنَى مِن شروطِ شهادةِ الإسلامِ، وقولُه تعالَى ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾». ↩