ibnu-musafir.com

مِن كتابِ «فِي بَيَانِ مَعْنَى الْإِسْلَامِ» · قراءة الكتاب بصيغة PDF

«باب» (١٧): المشركُ لا يَعرفُ معنَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ

«فصل» (٣): سؤالُ الملَكَينِ في القبرِ، وقولُه تعالَى ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾

١٨٤ - رَوَى أَحْمَدُ الحديثَ الطّويلَ عن سؤالِ الملَكَينِ في القبرِ، وفيه عن روحِ الكافرِ: «فَلَا يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلَأٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوحُ الْخَبِيثُ؟ فَيَقُولُونَ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ بِأَقْبَحِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسَمَّى بِهَا فِي الدُّنْيَا، حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيُسْتَفْتَحُ لَهُ، فَلَا يُفْتَحُ لَهُ»، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]

فَيَقُولُ اللَّهُ عز وجل: «اكْتُبُوا كِتَابَهُ فِي سِجِّينٍ فِي الْأَرْضِ السُّفْلَى»، فَتُطْرَحُ رُوحُهُ طَرْحًا». ثُمَّ قَرَأَ: «﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ٣١﴾ [الحج: ٣١]

فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ، فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي، فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنْ كَذَبَ، فَافْرِشُوا لَهُ مِنَ النَّارِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ، فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا، وَسَمُومِهَا ...»

وفيه عن روحِ المؤمنِ: «فَيَصْعَدُونَ بِهَا، فَلَا يَمُرُّونَ، يَعْنِي بِهَا، عَلَى مَلَإٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوحُ الطَّيِّبُ؟ فَيَقُولُونَ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانُوا يُسَمُّونَهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا، حَتَّى يَنْتَهُوا بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَسْتَفْتِحُونَ لَهُ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ فَيُشَيِّعُهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرَّبُوهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي تَلِيهَا، حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ،

فَيَقُولُ اللَّهُ عز وجل: «اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي عِلِّيِّينَ، وَأَعِيدُوهُ إِلَى الْأَرْضِ، فَإِنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ، وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ، وَمِنْهَا أُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى». قَالَ: «فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ، فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينِيَ الْإِسْلَامُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَيَقُولَانِ لَهُ: وَمَا عِلْمُكَ؟

فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ، فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ، فَيُنَادِي مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ: أَنْ صَدَقَ عَبْدِي، فَأَفْرِشُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ». قَالَ: «فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا، وَطِيبِهَا، وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ»». [مسندُ أَحْمَدَ (ت ٢٤١هـ)، ورواه أَبُو دَاوُدَ وغيرُه](١)

فكلٌّ يُسأَلُ عن عِلمِه، فكيف يَثبتُ في هذا المقامِ مَن ليس له عِلمٌ بحقيقةِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟

١٨٥ - ورَوَى الْبُخَارِيُّ عن أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أنّ النّبيَّ ﷺ قال بعدَ صلاةِ الكسوفِ: «... يُؤْتَى أَحَدُكُمْ، فَيُقَالُ لَهُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ - أَوِ الْمُوقِنُ، لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى، فَأَجَبْنَا وَآمَنَّا وَاتَّبَعْنَا، فَيُقَالُ لَهُ: نَمْ صَالِحًا، فَقَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنًا، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ - أَوِ الْمُرْتَابُ لَا أَدْرِي أَيَّتَهُمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ». [صحيحُ الْبُخَارِيِّ (ت ٢٥٦هـ)، متّفقٌ عليه]

وفي ذلك قولُ اللَّهِ تعالَى في سورةِ إبراهيمَ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ٢٧﴾ [إبراهيم: ٢٧]

١٨٦ - رَوَى الطَّبَرِيُّ: «عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا سُئِلَ فِي الْقَبْرِ يَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» قَالَ: «فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]»»

«عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي جِنَازَةٍ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا ... وَأَمَّا الْكَافِرُ أَوِ الْمُنَافِقُ، فَيُقَالُ لَهُ مَا تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: مَا أَدْرِي، فَيُقَالُ لَهُ: لَا دَرَيْتَ، وَلَا تَلَيْتَ(٢)، وَلَا اهْتَدَيْتَ ...»»

«عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [إبراهيم: ٢٧] قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ الْمَسْأَلَةُ فِي الْقَبْرِ»

«عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ... فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، قَالَ: فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، قَالَ: فَيُقَالُ لَهُ: مَا هَذَا النَّبِيُّ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ قَالَ: فَيَقُولُ: سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ ذَلِكَ، لَا أَدْرِي. قَالَ: فَيَقُولَانِ: لَا دَرَيْتَ قَالَ: وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ٢٧﴾ [إبراهيم: ٢٧]»

[تفسيرُ الطَّبَرِيِّ (ت ٣١٠هـ)](٣)

ويبلغُ تثبيتُ اللَّهِ تعالَى للصّالحينَ أن يطمئنُّوا في هذا الموقفِ الشّديدِ لا يخافونَ، فسبحانَ اللَّهِ، جعلَنا اللَّهُ مِنهم، آمينَ.

١٨٧ - ورَوَى ابْنُ مَاجَه: «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْمَيِّتَ يَصِيرُ إِلَى الْقَبْرِ، فَيُجْلَسُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فِي قَبْرِهِ غَيْرَ فَزِعٍ وَلَا مَشْعُوفٍ(٤)، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: فِيمَ كُنْتَ؟ فَيَقُولُ: كُنْتُ فِي الْإِسْلَامِ»». [سننُ ابْنِ مَاجَه (ت ٢٧٣هـ)، ونحوُه عند أَحْمَدَ مِن حديثِ عَائِشَةَ]

فعُلِمَ أنّ القولَ الثّابتَ هو لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، يثبِّتُ اللَّهُ به المسلمَ في الدّنيَا والآخرةِ، ويُضِلُّ الكافرَ عنه، فلا يَدرِي في الآخرةِ. فكيف بمَن لم يَعلمْ حقيقةَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ في الدّنيَا؟

الهوامش

  1. قال ابْنُ مَنْدَه في «الإيمانِ»: «هَذَا إِسْنَادٌ مُتَّصِلٌ مَشْهُورٌ، رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنِ الْبَرَاءِ»، وقال: «وَهُوَ ثَابِتٌ عَلَى رَسْمِ الْجَمَاعَةِ». ↩
  2. «وَلَا تَلَيْتَ»: قال ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ في «الزّاهرِ»: «وَحَكَى أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى: لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ، وَقَالَ: الْأَصْلُ فِيهِ: لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَوْتَ، فَرَدُّوهُ إِلَى الْيَاءِ، فَقَالُوا: تَلَيْتَ، لِيَزْدَوِجَ الْكَلَامُ». ↩
  3. وحديثُ الْبَرَاءِ الأوّلُ رواه الْبُخَارِيُّ في «كتابِ التّفسيرِ» بلفظِه، إلّا أنّ أوّلَه عنده: «الْمُسْلِمُ إِذَا سُئِلَ فِي الْقَبْرِ»، ومُسْلِمٌ بنحوِه، وفيه: «نَزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ، فَيُقَالُ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟»، وقولُ طَاوُسٍ في «تفسيرِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ»، وهو وحديثُ الْبَرَاءِ الآخِرُ عند ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ أيضًا فيما نقلَه السُّيُوطِيُّ في «الدّرِّ المنثورِ»، والأخبارُ في هذا الأمرِ كثيرةٌ مستفيضةٌ. ↩
  4. «مَشْعُوفٍ»: قال الْخَطَّابِيُّ في «غريبِ الحديثِ»: «أَيْ غَيْرَ فَزِعٍ وَلَا مَذْعُورٍ». ↩