«فصل» (٣): الإسلامُ هو الحنيفيّةُ والمشركُ ليس حنيفًا، وقولُه تعالَى ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾
الحنيفُ هو مَن لا يَعبدُ إلّا اللَّهَ، فلا يُمكِنُ أن يكونَ هناك حنيفٌ مشركٌ كما لا يُوجَدُ مسلمٌ مشركٌ أو مخلِصٌ مشركٌ.
وفي كثيرٍ مِن آياتِ القرآنِ جاءَ بيانُ أنّ الإسلامَ هو الحنيفيّةُ وأنّ كلَّ مسلمٍ حنيفٌ، مِنها قولُه تعالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ٥﴾ [البينة: ٥]
•يُخبِرُ اللَّهُ تعالَى أنّهم ما أُمِرُوا إلّا بالتّوحيدِ لأنّه أساسُ الدِّينِ، ولا شكَّ أنّ ما ذُكِرَ بعدَه مِنَ الشّرائعِ مع عِظَمِ شأنِه لا يستوِي هو والتّوحيدُ. فأوّلُ الآيةِ، وهو الأمرُ بعبادةِ اللَّهِ مخلِصينَ له الدِّينَ حنفاءَ، المرادُ به التّوحيدُ، وهو مقدَّمٌ على ما بعدَه لثلاثةِ أمورٍ: لِما بُيِّنَ مِن قبلُ مِن أنّ الشّرائعَ مبنيّةٌ عليه، ولأنّها شُرِعَتْ بعدَه بمدّةٍ، ولأنّ مَن جهِلَها قبلَ نزولِها أو بعدَه جهلًا معتبَرًا يكونُ مسلمًا معذورًا بجهلِه، بخلافِ مَن جهِلَ الإسلامَ نفسَه.
•اللَّهُ تعالَى يُؤكِّدُ هذا الأمرَ ويُبيِّنُ أنّ معنَى أن ﴿يَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [البينة: ٥] هو ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، على وَفْقِ ما سبقَ مِن أنّ الإسلامَ هو الإخلاصُ.
•ثمّ يزيدُ اللَّهُ الأمرَ بيانًا فيقولُ: ﴿حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥]، فالمخلِصونَ له الدِّينَ هم الحنفاءُ.
•وذلك هو الإسلامُ، كما قال تعالَى: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ٥﴾ [البينة: ٥].
١٤٦ - قال الطَّبَرِيُّ: «يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَا أَمَرَ اللَّهُ هَؤُلَاءِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ، إِلَّا أَنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، يَقُولُ: مُفْرِدِينَ لَهُ الطَّاعَةَ، لَا يَخْلِطُونَ طَاعَتَهُمْ رَبَّهُمْ بِشِرْكٍ».
ورَوَى: «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ يَقُولُ: حُجَّاجًا مُسْلِمِينَ غَيْرَ مُشْرِكِينَ». [تفسيرُ الطَّبَرِيِّ (ت ٣١٠هـ)]
فهذه الآيةُ كذلك دليلٌ مستقِلٌّ فيما نحن فيه، لأنّها تُناقِضُ مِن عدّةِ وجوهٍ قولَ مَن يَجعلُ بعضَ المشركينَ مسلمينَ.
وقال تعالَى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ٦٧﴾ [آل عمران: ٦٧]. وفي هذه الآيةِ ما قِيلَ في السّابقةِ: ذُكِرَتْ فيها ثلاثةُ أمورٍ معناها واحدٌ: «مسلمٌ» و«حنيفٌ» و«ما كان مِنَ المشركينَ».
١٤٧ - قال الطَّبَرِيُّ: «يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا، وَلَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ وَالْأَصْنَامَ، أَوْ مَخْلُوقًا دُونَ خَالِقِهِ الَّذِي هُوَ إِلَهُ الْخَلْقِ وَبَارِئُهُمْ، ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا﴾، يَعْنِي: مُتَّبِعًا أَمْرَ اللَّهِ وَطَاعَتَهُ، مُسْتَقِيمًا عَلَى مَحَجَّةِ الْهُدَى الَّتِي أُمِرَ بِلُزُومِهَا، ﴿مُسْلِمًا﴾، يَعْنِي: خَاشِعًا لِلَّهِ بِقَلْبِهِ، مُتَذَلِّلًا لَهُ بِجَوَارِحِهِ، مُذْعِنًا لِمَا فَرَضَ عَلَيْهِ وَأَلْزَمَهُ مِنْ أَحْكَامِهِ». [تفسيرُ الطَّبَرِيِّ (ت ٣١٠هـ)]