ibnu-musafir.com

مِن كتابِ «فِي بَيَانِ مَعْنَى الْإِسْلَامِ» · قراءة الكتاب بصيغة PDF

«باب» (١٠): معرفةُ مشركِي العربِ والعجمِ معنَى الشّهادةِ وفهمُهم لِما خاطبَهم به الأنبياءُ عليهم السلام

«فصل» (٥): جميعُ الأنبياءِ وأَتباعِهم عَرفُوا المسلمَ مِنَ المشركِ وبَرِئُوا مِنَ المشركينَ، وقولُه تعالَى ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾

قد بيّنَ اللَّهُ تعالَى أنّ جميعَ الأنبياءِ تبرّؤُوا مِن أقوامِهم، فقال سبحانَه: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ٤ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ٥ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ٦﴾ [الممتحنة: ٤-٦]

فمَن كان يرجُو اللَّهَ واليومَ الآخِرَ فعليه أن يقتدِيَ بِإِبْرَاهِيمَ عليه السلام ومَن معه في الكفرِ بعُبّادِ الطّاغوتِ والبراءةِ مِنهم.

٩٦ - رَوَى الطَّبَرِيُّ: «قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ عز وجل: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة: ٤] قَالَ: الَّذِينَ مَعَهُ الْأَنْبِيَاءُ»

وقال الطَّبَرِيُّ مبيِّنًا: «﴿كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ أَنْبِيَائِهِ لِقَوْمِهِمُ الْكَفَرَةِ: كَفَرْنَا بِكُمْ؛ أَنْكَرْنَا مَا كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ بِاللَّهِ، وَجَحَدْنَا عِبَادَتَكُمْ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْ تَكُونَ حَقًّا، وَظَهَرَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا عَلَى كُفْرِكُمْ بِاللَّهِ، وَعِبَادَتِكُمْ مَا سِوَاهُ، وَلَا صُلْحَ بَيْنَنَا وَلَا مَوَدَّةَ، ﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ يَقُولُ: حَتَّى تُصَدِّقُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ، فَتُوَحِّدُوهُ، وَتُفْرِدُوهُ بِالْعِبَادَةِ. وَقَوْلُهُ: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا؛ مِنْ مُبَايَنَةِ الْكُفَّارِ وَمُعَادَاتِهِمْ، وَتَرْكِ مُوَالَاتِهِمْ، إِلَّا فِي قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ: ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾. فَإِنَّهُ لَا أُسْوَةَ لَكُمْ فِيهِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ، قَبْلَ أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ. يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَكَذَلِكَ أَنْتُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، فَتَبَرَّؤُوا مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِهِ، وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ، وَيَتَبَرَّؤُوا مِنْ عِبَادَةِ مَا سِوَاهُ، وَأَظْهِرُوا لَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ. ...

وَقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الممتحنة: ٦] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ قُدْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ، إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَالرُّسُلِ. ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ يَقُولُ: لِمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَرْجُو ثَوَابَ اللَّهِ، وَالنَّجَاةَ فِي الْيَوْمِ الْآخِرِ.

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ٦﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَنْ يَتَوَلَّ عَمَّا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ وَنَدَبَهُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَمِنْ غَيْرِكُمْ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ وَأَدْبَرَ مُسْتَكْبِرًا، وَوَالَى أَعْدَاءَ اللَّهِ، وَأَلْقَى إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ عَنْ إِيمَانِهِ بِهِ، وَطَاعَتِهِ إِيَّاهُ، وَعَنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ، الْحَمِيدُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِأَيَادِيهِ، وَآلَائِهِ عِنْدَهُمْ». [تفسيرُ الطَّبَرِيِّ (ت ٣١٠هـ)]

فإنّ الأنبياءَ جاؤُوا أقوامَهم وكان أوّلَ ما فعلُوا أن أَظهرُوا لهم البراءةَ، كما يدلُّ عليه ظاهرُ آيةِ الممتحَنةِ(١)، فإنّ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام تبرّأَ مِنهم قبلَ أن يتبرّأَ مِن آلهتِهم. وتقديمُ البراءةِ مِنَ العابدينَ على المعبوداتِ تأكيدٌ شديدٌ لوجوبِ البراءةِ مِنَ المشركينَ ولأهمّيّتِها وشدّةِ تعلّقِها بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وقد تبيّنَ أنّ هذا دِينُ جميعِ الأنبياءِ والرّسلِ.

ثمّ بيّنَ اللَّهُ تعالَى أنّ المرءَ إن كان يرجُو اللَّهَ واليومَ الآخِرَ فلا بدَّ أن يتأسَّى بهذه الأسوةِ الحسنةِ، أمّا مَن كان لا يرجُو اللَّهَ واليومَ الآخِرَ وتولَّى فاللَّهُ غنيٌّ عنه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ٦﴾ [الممتحنة: ٦]. وفي كلِّ هذا دلالةٌ واضحةٌ على أنّ الأنبياءَ وأتباعَهم عرفُوا المشركينَ وفرّقُوا بينَهم وبينَ المسلمينَ وبناءً على هذا العِلمِ تبرّؤُوا مِن أهلِ الشّركِ.

الهوامش

  1. بفتحِ الحاءِ على المشهورِ، وتُكسَرُ أيضًا. ↩