«باب» (٨): في أنّ الإسلامَ هو الإيمانُ باللَّهِ والكفرُ بالطّاغوتِ وهو الكفرُ بعبادةِ غيرِ اللَّهِ
«فصل» (١): قولُه تعالَى ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٢٥٦﴾ [البقرة: ٢٥٦]
٧٤ - قال الطَّبَرِيُّ في هذه الآيةِ: «وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ عِنْدِي فِي الطَّاغُوتِ أَنَّهُ كُلُّ ذِي طُغْيَانٍ طَغَى عَلَى اللَّهِ فَعُبِدَ مِنْ دُونِهِ، إِمَّا بِقَهْرٍ مِنْهُ لِمَنْ عَبَدَهُ، وَإِمَّا بِطَاعَةٍ مِمَّنْ عَبَدَهُ لَهُ، إِنْسَانًا كَانَ ذَلِكَ الْمَعْبُودُ، أَوْ شَيْطَانًا، أَوْ وَثَنًا، أَوْ صَنَمًا، أَوْ كَائِنًا مَا كَانَ مِنْ شَيْءٍ ... فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذَنْ: فَمَنْ يَجْحَدُ رُبُوبِيَّةَ كُلِّ مَعْبُودٍ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَكْفُرْ بِهِ ﴿وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] يَقُولُ: وَيُصَدِّقْ بِاللَّهِ أَنَّهُ إِلَهُهُ وَرَبُّهُ وَمَعْبُودُهُ، ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ يَقُولُ: فَقَدْ تَمَسَّكَ بِأَوْثَقِ مَا يَتَمَسَّكُ بِهِ مَنْ طَلَبَ الْخَلَاصَ لِنَفْسِهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَعِقَابِهِ». [تفسيرُ الطَّبَرِيِّ (ت ٣١٠هـ)]
٧٥ - ورَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦] قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، مِثْلُهُ».
«وَرُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ: الإِسْلامُ». [تفسيرُ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ (ت ٣٢٧هـ)]
٧٦ - ورَوَى الطَّبَرِيُّ في آيةِ البقرةِ: «عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَوْلَهُ: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦] قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
عَنِ الضَّحَّاكِ: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ مِثْلَهُ». [تفسيرُ الطَّبَرِيِّ (ت ٣١٠هـ)]
٧٧ - وقال مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ: «﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦] يَقُولُ: أَخَذَ الثِّقَةَ، يَعْنِي الْإِسْلَامَ الَّتِي ﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ يَقُولُ: لَا انْقِطَاعَ لَهُ دُونَ الْجَنَّةِ ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لِقَوْلِهِمْ ﴿عَلِيمٌ ٢٥٦﴾ بِهِ». [تفسيرُ مُقَاتِلٍ (ت ١٥٠هـ)]
وأمّا الوجوهُ الأخرَى التي يَذكرُها أمثالُ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ عن السّلفِ، فهي كلُّها أمثلةٌ متداخِلةُ المعنَى تَرجعُ إلى أمرٍ واحدٍ، وهذا ما يُسمَّى اختلافَ التّنوّعِ، وقد سبقَ، وهو كثيرٌ جدًّا في تفسيرِ السّلفِ، بل هو عادتُهم فيه. فليس هذا مِن قبيلِ اختلافِ التّضادِّ.
ومِن ذلك أنّ السّلفَ فسّرُوا العُروةَ الوثقَى بمعنَى «الْقُرْآنُ» و«الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ» و«الإِيمَانُ»(١)، وهي كلُّها معانٍ أصيلةٌ لا يَصحُّ إسلامُ المرءِ إلّا بها.
٧٨ - ورَوَى الطَّبَرِيُّ في هذه الآيةِ: «عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ: أَنَّهُ عَادَ مَرِيضًا مِنْ جِيرَتِهِ فَوَجَدَهُ فِي السَّوْقِ(٢) وَهُوَ يُغَرْغِرُ لَا يَفْقَهُونَ مَا يُرِيدُ، فَسَأَلَهُمْ: يُرِيدُ أَنْ يَنْطِقَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، يُرِيدُ أَنْ يَقُولَ: آمَنْتُ بِاللَّهِ وَكَفَرْتُ بِالطَّاغُوتِ، قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: «وَمَا عِلْمُكُمْ بِذَلِكَ؟» قَالُوا: لَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُهَا حَتَّى انْكَسَرَ لِسَانُهُ، فَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ إِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يَنْطِقَ بِهَا، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: «أَفْلَحَ صَاحِبُكُمْ، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٢٥٦﴾ [البقرة: ٢٥٦]»» [تفسيرُ الطَّبَرِيِّ (ت ٣١٠هـ)]
الهوامش
- ذكرَها ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ في «تفسيرِه» عند هذه الآيةِ: «الْقُرْآنُ» عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، و«الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ» عن سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، و«الإِيمَانُ» عن مُجَاهِدٍ. ↩
- «السَّوْق» بفتحِ السّينِ: النَّزْعُ عند الموتِ، قال ابْنُ شُمَيْلٍ: «رَأَيْتُ فُلَانًا فِي السَّوْقِ، أَيْ: فِي الْمَوْتِ، يُسَاقُ سَوْقًا، وَإِنَّ نَفْسَهُ لَتُسَاقُ»، نقلَه عنه الْأَزْهَرِيُّ في «تهذيبِ اللُّغةِ»، ويُقالُ له «السِّياق» أيضًا، قال الْجَوْهَرِيُّ في «الصِّحاحِ»: «السِّيَاقُ: نَزْعُ الرُّوحِ. يُقَالُ: رَأَيْتُ فُلَانًا يَسُوقُ، أَيْ: يَنْزِعُ عِنْدَ الْمَوْتِ». أمّا «السُّوق» بضمِّ السّينِ فموضعُ البِيَاعاتِ. ↩