«باب» (١٦): اللَّهُ لا يَغفرُ الشّركَ الأكبرَ والمشركُ لا يَدخلُ الجنّةَ
«فصل» (١): في قولِ اللَّهِ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ …﴾
هذا القولُ جاءَ في موضعَينِ مِن كتابِ اللَّهِ، كلاهما في سورةِ النّساءِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ٤٨﴾ [النساء: ٤٨]، وقولُ اللَّهِ تعالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا ١١٦﴾ [النساء: ١١٦]
١٥٨ - ورَوَى الطَّبَرِيُّ في ذلك: «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء: ١٨] فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فَحَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى الْمَغْفِرَةَ عَلَى مَنْ مَاتَ وَهُوَ كَافِرٌ، وَأَرْجَأَ أَهْلَ التَّوْحِيدِ إِلَى مَشِيئَتِهِ، فَلَمْ يُؤَيِّسْهُمْ مِنَ الْمَغْفِرَةِ».
«عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] الْآيَةَ، قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: وَالشِّرْكُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ. فَكَرِهَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ٤٨﴾ [النساء: ٤٨]».
«عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كُنَّا مَعْشَرَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ لَا نَشُكُّ فِي قَاتِلِ الْمُؤْمِنِ، وَآكِلِ مَالِ الْيَتِيمِ، وَشَاهِدِ الزُّورِ، وَقَاطِعِ الرَّحِمِ، حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ فَأَمْسَكْنَا عَنِ الشَّهَادَةِ».
ثمّ قال الطَّبَرِيُّ: «وَقَدْ أَبَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ أَنَّ كُلَّ صَاحِبِ كَبِيرَةٍ فَفِي مَشِيئَةِ اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ ذَنْبَهُ، وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ عَلَيْهِ مَا لَمْ تَكُنْ كَبِيرَتُهُ شِرْكًا بِاللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى».
«عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] يَقُولُ: مَنْ يَجْتَنِبُ الْكَبَائِرَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ».
ثمّ قال الطَّبَرِيُّ: «وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا ١١٦﴾ [النساء: ١١٦] فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَمَنْ يَجْعَلْ لِلَّهِ فِي عِبَادَتِهِ شَرِيكًا، فَقَدْ ذَهَبَ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ، وَزَالَ عَنْ قَصَدِ السَّبِيلِ ذَهَابًا بَعِيدًا وَزَوَالًا شَدِيدًا. وَذَلِكَ أَنَّهُ بِإِشْرَاكِهِ بِاللَّهِ فِي عِبَادَتِهِ قَدْ أَطَاعَ الشَّيْطَانَ وَسَلَكَ طَرِيقَهُ وَتَرَكَ طَاعَةَ اللَّهِ وَمِنْهَاجَ دِينِهِ، فَذَاكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ وَالْخُسْرَانُ الْمُبِينُ».
«عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كُنَّا مَعْشَرَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَرَى أَوْ نَقُولُ: إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ حَسَنَاتِنَا إِلَّا وَهِيَ مَقْبُولَةٌ، حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ٣٣﴾ [محمد: ٣٣] فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قُلْنَا: مَا هَذَا الَّذِي يُبْطِلُ أَعْمَالَنَا؟ فَقُلْنَا: الْكَبَائِرُ وَالْفَوَاحِشُ، قَالَ: فَكُنَّا إِذَا رَأَيْنَا مَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْهَا قُلْنَا: قَدْ هَلَكَ، حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ كَفَفْنَا عَنِ الْقَوْلِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ، فَكُنَّا إِذَا رَأَيْنَا أَحَدًا أَصَابَ مِنْهَا شَيْئًا خِفْنَا عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُصِبْ مِنْهَا شَيْئًا رَجَوْنَا لَهُ». [تفسيرُ الطَّبَرِيِّ (ت ٣١٠هـ)]
١٥٩ - وقال مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ: «﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] فَيَمُوتُ عَلَيْهِ، يَعْنِي الْيَهُودَ ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ الشِّرْكِ ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ لِمَنْ مَاتَ مُوَحِّدًا، فَمَشِيئَتُهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - لِأَهْلِ التَّوْحِيدِ».
ورَوَى عَنْ رَجُلٍ: «عَنْ مُجَاهِدٍ: أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لِأَهْلِ التَّوْحِيدِ».
ثمّ قال: «﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ [النساء: ٤٨] مَعَهُ غَيْرَهُ ﴿فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ٤٨﴾ يَقُولُ: فَقَدْ قَالَ ذَنْبًا عَظِيمًا». [تفسيرُ مُقَاتِلٍ (ت ١٥٠هـ)]
فمَن قال بأنّ اللَّهَ يَغفرُ للمشركِ ويُدخِلُه جنّتَه مع شركِه فقد ردَّ الآيةَ ولا بدَّ، إذ حاصلُ قولِه: «إنّ اللَّهَ يَغفرُ أن يُشرَكَ به».