«باب» (١٩): لا يَدخُلُ المشركُ الإسلامَ إلّا بالتّوبةِ مِنَ الشّركِ
قال اللَّهُ تعالَى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ١١﴾ [التوبة: ١١]
١٩١ - رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بسندِه في قولِه تعالَى مِنَ السّورةِ نفسِها: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]: «عَنِ الرَّبِيعِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [التوبة: ٥] يَقُولُ: تَوْبَتُهُمْ خَلْعُ الأَوْثَانِ وَعِبَادَتِهَا(١).
عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ قَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ [التوبة: ٥] مِنَ الشِّرْكِ ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ لَمْ تَقْتُلْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ».
«وَرُوِيَ عَنِ الضَّحَّاكِ ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ مِنَ الشِّرْكِ.
عَنِ الأَوْزَاعِيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ [التوبة: ٥] قَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ».
ورَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: «عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١] يَقُولُ: إِنْ تَرَكُوا اللّاتَ وَالْعُزَّى وَشَهِدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ». [تفسيرُ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ (ت ٣٢٧هـ)، ورواه الطَّبَرِيُّ أيضًا]
١٩٢ - قال الطَّبَرِيُّ مبيِّنًا على وَفْقِ ما رواه عنِ السّلفِ: «﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ [التوبة: ٥] يَقُولُ: فَإِنْ رَجَعُوا عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ وَجُحُودِ نُبُوَّةِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ وَإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لَهُ، دُونَ الْآلِهَةِ وَالْأَنْدَادِ، وَالْإِقْرَارِ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ». [تفسيرُ الطَّبَرِيِّ (ت ٣١٠هـ)]
فلا شكَّ في إجماعِ أهلِ العِلمِ على أنّ المشركَ لا يَدخلُ الإسلامَ إلّا بعدَ توبتِه مِنَ الشّركِ.
وقال تعالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ١٤٦﴾ [النساء: ١٤٦]
١٩٣ - قال الطَّبَرِيُّ مبيِّنًا: «الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ١٤٦﴾ [النساء: ١٤٦] وَهَذَا اسْتِثْنَاءٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، اسْتَثْنَى التَّائِبِينَ مِنْ نِفَاقِهِمْ إِذَا أَصْلَحُوا وَأَخْلَصُوا الدِّينَ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَتَبَرَّءُوا مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَنْدَادِ، وَصَدَّقُوا رَسُولَهُ، أَنْ يَكُونُوا مَعَ الْمُصِرِّينَ عَلَى نِفَاقِهِمْ، حَتَّى تُوَافِيَهُمْ مَنَايَاهُمْ فِي الْآخِرَةِ، وَأَنْ يَدْخُلُوا مَدَاخِلَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ، بَلْ وَعَدَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنْ يُحِلَّهُمْ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ مَحِلَّ الْكَرَامَةِ، وَيُسْكِنَهُمْ مَعَهُمْ مَسَاكِنَهُمْ فِي الْجَنَّةِ، وَوَعَدَهُمْ مِنَ الْجَزَاءِ عَلَى تَوْبَتِهِمُ الْجَزِيلَ مِنَ الْعَطَاءِ». [تفسيرُ الطَّبَرِيِّ (ت ٣١٠هـ)]
فكيف يتوبُ المشركُ مِن شركِه إذا لم يُخلِصْ دِينَه للَّهِ؟
فلو نطقَ أحدُ المشركينَ بالشّهادتَينِ وصلَّى وصامَ، ولم يَتركِ الشّركَ، لم يَصِرْ بذلك مسلمًا، بإجماعِ المسلمينَ. مثلًا لو شَهِدَ أحدُ مشركِي العربِ بالإسلامِ، وأَصرَّ مع ذلك على عبادةِ اللَّاتِ وَالْعُزَّى، فهل يكونُ معقولًا أن يَصيرَ مِثلُه مسلمًا عند أحدٍ مِنَ المسلمينَ؟
ولذلك علَّقَ اللَّهُ تعالَى الأخوّةَ في الدِّينِ المذكورةَ في الآيةِ على تَرْكِ الشّركِ.
فصولُ هذا البابِ
الهوامش
- ورواه الطَّبَرِيُّ بالإسنادِ نفسِه، وفيه: «تَوْبَتُهُمْ خَلْعُ الْأَوْثَانِ وَعِبَادَةُ رَبِّهِمْ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ». ↩