«باب» (١٨): أحاديثُ امتحانِ بعضِ النّاسِ يومَ القيامةِ
جاءتْ أحاديثُ في أنّ أُناسًا لم تَبلغْهم دعوةُ الرّسلِ في الدّنيَا، أو لم يتمكّنُوا مِن فهمِها، يحتجّونَ يومَ القيامةِ بحالِهم، فيَمتحِنُهم اللَّهُ تعالَى امتحانًا خاصًّا.
ورُوِيَ ذلك عن غيرِ واحدٍ مِنَ الصّحابةِ، وأشهرُه حديثُ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ وحديثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنهما(١):
١٩٠ - رَوَى أَحْمَدُ: «عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَرْبَعَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَصَمُّ لَا يَسْمَعُ شَيْئًا، وَرَجُلٌ أَحْمَقُ، وَرَجُلٌ هَرَمٌ، وَرَجُلٌ مَاتَ فِي فَتْرَةٍ(٢)، فَأَمَّا الْأَصَمُّ فَيَقُولُ: رَبِّ لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَمَا أَسْمَعُ شَيْئًا، وَأَمَّا الْأَحْمَقُ فَيَقُولُ: رَبِّ، لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَالصِّبْيَانُ يَحْذِفُونِي(٣) بِالْبَعْرِ، وَأَمَّا الْهَرَمُ فَيَقُولُ: رَبِّ لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَمَا أَعْقِلُ شَيْئًا، وَأَمَّا الَّذِي مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ فَيَقُولُ: رَبِّ مَا أَتَانِي لَكَ رَسُولٌ. فَيَأْخُذُ مَوَاثِيقَهُمْ لَيُطِيعُنَّهُ(٤)، فَيُرْسِلُ إِلَيْهِمْ أَنِ ادْخُلُوا النَّارَ. قَالَ: فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ دَخَلُوهَا، لَكَانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْدًا وَسَلَامًا»»
ورَوَى بعدَه: «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، مِثْلَ هَذَا غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ فِي آخِرِهِ: «فَمَنْ دَخَلَهَا كَانَتْ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا، وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْهَا يُسْحَبُ إِلَيْهَا»». [مسندُ أَحْمَدَ (ت ٢٤١هـ)](٥)
فهؤلاء يحتجّونَ بأنّ الامتحانَ الذي يُمتَحَنُ به النّاسُ في الدّنيَا لم يقعْ لهم.
وإنّما يُذكَرُ هذا هنا لأنّ بعضَ النّاسِ اليومَ يَفهمونَ هذه الأحاديثَ على غيرِ وجهِها، ويحتجّونَ بها على أنّ المشركَ المنتسِبَ إلى الإسلامِ قد يَخرجُ مِن هذا الامتحانِ مسلمًا فيَدخلُ الجنّةَ، يقولونَ: مَنِ انتسبَ إلى الإسلامِ ووقعَ في الشّركِ جهلًا بأصلِ الإسلامِ يُمتَحَنُ يومَ القيامةِ، فيكونُ في الدّنيَا مسلمًا معذورًا.
وهذا خطأٌ بيِّنٌ، فإنّ المذكورينَ في الأحاديثِ لم يَعيشُوا مسلمينَ ولم يموتُوا مسلمينَ، وهم أنفسُهم يحتجّونَ بأنّ الإسلامَ لم يَبلغْهم أو لم يعقلُوه، ولا يُمتَحَنُ المسلمُ بمِثلِ هذا الامتحانِ بالاتّفاقِ. فمَن فهِمَ ذلك عَلِمَ أنّ هذه الأحاديثَ مِن أقوَى الأدلّةِ على بطلانِ القولِ بأنّ المشركَ يكونُ مسلمًا لانتسابِه الظّاهرِ إلى الإسلامِ، فامتحانُهم يَدلُّ على أنّهم ليسوا مسلمينَ، وإلّا لم يكنْ للامتحانِ معنًى.
والأصلُ أنّ النّاسَ يُبتَلَونَ في الدّنيَا، وهذا هو المقصودُ مِن حياتِهم فيها: أن يتميّزَ مَن أَسلمَ للَّهِ ممّن لم يُسلِمْ، كما قال تعالَى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]، فلا معنَى لهذا الامتحانِ إلّا فيمَن لم يكنْ في الدّنيَا مسلمًا.
وفي هذا القَدْرِ كفايةٌ للتّنبيهِ على ما يتعلّقُ بموضوعِ الكتابِ مِن هذه الأحاديثِ، وأمّا تفصيلُ الكلامِ فيها وفي هذا الامتحانِ فيَخرُجُ عن مقصودِه، ولذلك سبقتِ الإشارةُ في «المقدِّمةِ» إلى أنّها مِنَ المسائلِ التي ينبغِي أن تُفرَدَ بالدّراسةِ.
الهوامش
- أنكرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هذه الأحاديثَ في «الاستذكارِ» وضعّفَ أسانيدَها، واحتجَّ بأنّ الآخرةَ دارُ جزاءٍ لا دارُ عملٍ وابتلاءٍ، وذكرَ أنّ مَن ماتَ في الفترةِ إن كان معذورًا لم يأتِه نذيرٌ فلا يُؤمَرُ باقتحامِ النّارِ، وكان أَلْيَنَ في «التّمهيدِ»، فقال: «رُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ حَدِيثِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَثَوْبَانَ بِأَسَانِيدَ صَالِحَةٍ مِنْ أَسَانِيدِ الشُّيُوخِ»، وقال: «وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ فِي أَحَادِيثِ هَذَا الْبَابِ كُلِّهَا، مَا ذَكَرْتُ مِنْهَا وَمَا لَمْ أَذْكُرْ: أَنَّهَا مِنْ أَحَادِيثِ الشُّيُوخِ، وَفِيهَا عِلَلٌ، وَلَيْسَتْ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَئِمَّةِ الْفُقَهَاءِ». وردَّ عليه ابْنُ الْقَيِّمِ في «طريقِ الهجرتَينِ» مِن وجوهٍ، أوّلُها: «أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى إِنْكَارِهَا، بَلْ وَلَا أَكْثَرُهُمْ»، ومِنها أنّ الْأَشْعَرِيَّ حكَى القولَ بها عن أهلِ السّنّةِ والحديثِ، وكذلك ردَّ عليه ابْنُ كَثِيرٍ في «تفسيرِه» بأنّ أحاديثَ هذا البابِ «مِنْهَا مَا هُوَ صَحِيحٌ، كَمَا قَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ حَسَنٌ، وَمِنْهَا مَا هُوَ ضَعِيفٌ يَقْوَى بِالصَّحِيحِ وَالْحَسَنِ»، وذكرَ أنّ الْبَيْهَقِيَّ نصرَ هذا القولَ في «الاعتقادِ». ↩
- «الفَتْرَةُ»: انقطاعُ الرّسلِ، قال الطَّبَرِيُّ في قولِه تعالَى: ﴿عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [المائدة: ١٩]: «يَقُولُ: عَلَى انْقِطَاعٍ مِنَ الرُّسُلِ، وَالْفَتْرَةُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الِانْقِطَاعُ». وهو أمرٌ نسبيٌّ، فقد يَعرفُ بعضُ مَن عاشَ في زمنِ الفترةِ التّوحيدَ، كما كان العربُ قبلَ الإسلامِ ينتسبونَ إلى ملّةِ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام ويَعرفونَ بعضَ شعائرِها، وكان فيهم الحنفاءُ الذين أَنكرُوا عبادةَ الأوثانِ، وقد سبقَ ذكرُهم في البابِ (٩)، الفصلِ (٢)، والبابِ (١٠)، الفصلِ (٤). والمرادُ في الحديثِ مَن لم تَبلغْه دعوةُ الرّسلِ أصلًا. ↩
- «يَحْذِفُونِي»: قال الْخَلِيلُ في «العَيْنِ»: «الْحَذْفُ: الرَّمْيُ عَنْ جَانِبٍ». ↩
- أي: عهودَهم ليُطيعُنَّه فيما يأمرُهم به. ↩
- ورواه إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ في «مسندِه» بالإسنادَينِ، وفي حديثِ الْأَسْوَدِ عنده: «أَرْبَعَةٌ يَحْتَجُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، وقال الْبَيْهَقِيُّ في «الاعتقادِ» بعدَهما: «وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ». ↩