ما حصلَ لسلمانَ مِنَ الرِّقِّ ظلمًا ووصولُهُ إلى المدينةِ إلى أنْ سَمِعَ بهجرةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم
قَالَ: ثُمَّ مَاتَ وَغُيِّبَ، فَمَكَثْتُ بِعَمُّورِيَّةَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ أَمْكُثَ، ثُمَّ مَرَّ بِي نَفَرٌ مِنْ كَلْبٍ(١) تُجَّارًا، فَقُلْتُ لَهُمْ: تَحْمِلُونِي إِلَى أَرْضِ الْعَرَبِ، وَأُعْطِيكُمْ بَقَرَاتِي هَذِهِ وَغُنَيْمَتِي هَذِهِ؟ قَالُوا: نَعَمْ فَأَعْطَيْتُهُمُوهَا وَحَمَلُونِي، حَتَّى إِذَا قَدِمُوا بِي وَادِي الْقُرَى(٢) ظَلَمُونِي فَبَاعُونِي مِنْ رَجُلٍ مِنْ يَهُودَ عَبْدًا،
- في ذلكَ ما يحصلُ للمرءِ مِنَ الشَّدائدِ والمصائبِ في حياتِهِ وفي البحثِ عنِ الحقِّ عمومًا وأنَّ كلَّ هذا لمْ يصرِفْ سلمانَ عنْ مواصلةِ البحثِ.
- بوَّبَ البخاريُّ في «كتابِ البيوعِ»: «بَابُ إِثْمِ مَنْ بَاعَ حُرًّا» ثُمَّ ساقَ «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «قَالَ اللَّهُ: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَه»».
فَكُنْتُ عِنْدَهُ، وَرَأَيْتُ النَّخْلَ، وَرَجَوْتُ أَنْ تَكُونَ الْبَلَدَ الَّذِي وَصَفَ لِي صَاحِبِي، وَلَمْ يَحِقَّ(٣) لِي فِي نَفْسِي، فَبَيْنَمَا أَنَا عِنْدَهُ، قَدِمَ عَلَيْهِ ابْنُ عَمٍّ لَهُ مِنَ الْمَدِينَةِ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ فَابْتَاعَنِي مِنْهُ، فَاحْتَمَلَنِي إِلَى الْمَدِينَةِ، فَوَاللهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُهَا فَعَرَفْتُهَا بِصِفَةِ صَاحِبِي، فَأَقَمْتُ بِهَا وَبَعَثَ اللهُ رَسُولَهُ، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ مَا أَقَامَ لَا أَسْمَعُ لَهُ بِذِكْرٍ مَعَ مَا أَنَا فِيهِ مِنْ شُغْلِ الرِّقِّ، ثُمَّ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَوَاللهِ إِنِّي لَفِي رَأْسِ عَذْقٍ(٤) لِسَيِّدِي أَعْمَلُ فِيهِ بَعْضَ الْعَمَلِ، وَسَيِّدِي جَالِسٌ، إِذْ أَقْبَلَ ابْنُ عَمٍّ لَهُ حَتَّى وَقَفَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: فُلَانُ(٥)، قَاتَلَ اللهُ بَنِي قَيْلَةَ(٦)،
وَاللهِ إِنَّهُمُ الْآنَ لَمُجْتَمِعُونَ بِقُبَاءَ(٧) عَلَى رَجُلٍ قَدِمَ عَلَيْهِمْ مِنْ مَكَّةَ الْيَوْمَ، يَزْعُمُونَ أَنَّهُ نَبِيٌّ، قَالَ: فَلَمَّا سَمِعْتُهَا أَخَذَتْنِي الْعُرَوَاءُ(٨)، حَتَّى ظَنَنْتُ سَأَسْقُطُ عَلَى سَيِّدِي،
- في ذلكَ تحمُّسُ سلمانَ في البحثِ، وهكذا أهلُ الحقِّ كلُّ واحدٍ حسَبَ ما فيهِ مِنَ الصَّلاحِ. فسلمانُ لمْ يُهمَّهُ الآنَ إلَّا هذا الأمرُ وَلمْ يُفكِّرْ إلَّا في هذا، حتَّى إنَّهُ ظنَّ أنَّهُ سيَسقطُ عنِ النَّخلةِ عندَ سماعِ الخبرِ.
- كيفَ أنَّ اللهَ قرَّبهُ مِنْ مقصودِهِ وأوصلَهُ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بأعجبِ الطُّرقِ، فسبحانَ اللهِ.
- فيهِ فائدةٌ مهمَّةٌ وهيَ أنَّ سلمانَ معَ إرادتِهِ الجازمةِ واجتهادِهِ في البَحثِ عنِ الحقِّ شَغَلهُ الرِّقُّ مدَّةً إلى درجةٍ أنَّهُ لمْ يَبلُغْهُ خبرٌ عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم معَ انتشارِ أخبارِهِ صلى الله عليه وسلم بينَ النَّاسِ! وهذا يدلُّ على أنَّ المرءَ معَ صلاحِهِ قدْ يَغِيبُ عنهُ شيءٌ منَ الحقِّ فيكونُ معذورًا.
الهوامش
- «مِنْ كَلْبٍ»: قبيلةٌ عربيَّةٌ معروفةٌ. ↩
- «وَادِي الْقُرَى»: موضعٌ شَمالَ المدينةِ، بينَ المدينةِ وتبوكَ، فيهِ وادٍ خَصِبٌ كانتْ فيهِ قرىً كثيرةٌ. ↩
- «لَمْ يَحِقَّ»: هذا هوَ الضَّبطُ المنتَشرُ لهذا الموضعِ ولعلَّهُ الأنسبُ، مِنْ قولِهم «حَقَّ الأمرُ يَحِقُّ حَقًّا وحَقَّةً وحُقُوقًا، أي: صحَّ وثبتَ وصدَقَ». والمرادُ أنَّهُ كانَ يرجوهُ ولمْ يظنَّ في نفسِهِ أنَّهُ سيحصلُ لهُ حقيقةً، والله أعلم. ↩
- «العَذْقُ»: النَّخلةُ، وجاءَ في الحديثِ عندَ بعضِهمْ كما عندَ ابنِ هشامٍ في «السِّيرةِ»: «فِي رَأْسِ نَخْلَةٍ». ↩
- على المخاطَبةِ، وقدْ جاءَ عِندَ ابنِ هشامٍ في هذا الموضعِ: «يَا فلانُ». ↩
- «بَنِي قَيْلَةَ»: يقصِدُ الأوسَ والخزرجَ، قالَ ابنُ هشامٍ واصفًا نسبَ قَيلةَ: «قَيْلةُ بِنْتُ كَاهِلِ بْنِ عُذْرَةَ ... أُمُّ الأوْسِ وَالْخَزْرَجِ». ↩
- «قُبَاءَ»: قالَ ياقوتُ في «معجمِ البلدانِ»: «قُبا: بالضَّمِّ: وأصلُهُ اسمُ بئرٍ هناكَ عُرِفَتِ القريةُ بها وهي مساكنُ بني عمرو بنِ عوفٍ مِنَ الأنصارِ ... وهي قريةٌ على مِيلَينِ مِنَ المدينةِ على يسارِ القاصدِ إلى مكَّةَ». ↩
- «الْعُرَوَاءُ»: قالَ ابنُ هشامٍ في «السِّيرةِ»: «وَالْعُرَوَاءُ: الرِّعْدَةُ مِنْ الْبَرْدِ وَالِانْتِفَاضُ، فَإِنْ كَانَ مَعَ ذَلِكَ عَرَقٌ فَهِيَ الرُّحَضَاءُ». ↩