وصيَّةُ صاحبِ عمُّوريَّةَ لهُ بالبحثِ عنْ نبيٍّ يُبعثُ على دينِ إبراهيمَ وبيانُهُ لعلاماتِ نبوَّتِهِ
قَالَ: فَلَمَّا مَاتَ وَغُيِّبَ لَحِقْتُ بِصَاحِبِ عَمُّورِيَّةَ، وَأَخْبَرْتُهُ خَبَرِي، فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي، فَأَقَمْتُ مَعَ رَجُلٍ عَلَى هَدْيِ أَصْحَابِهِ وَأَمْرِهِمْ، قَالَ: وَاكْتَسَبْتُ حَتَّى كَانَ لِي بَقَرَاتٌ وَغُنَيْمَةٌ، قَالَ: ثُمَّ نَزَلَ بِهِ أَمْرُ اللهِ، فَلَمَّا حُضِرَ قُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ، إِنِّي كُنْتُ مَعَ فُلَانٍ، فَأَوْصَى بِي فُلَانٌ إِلَى فُلَانٍ، وَأَوْصَى بِي فُلَانٌ إِلَى فُلَانٍ، ثُمَّ أَوْصَى بِي فُلَانٌ إِلَيْكَ، فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي، وَمَا تَأْمُرُنِي؟
قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، وَاللهِ مَا أَعْلَمُهُ أَصْبَحَ عَلَى مَا كُنَّا عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ آمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَهُ، وَلَكِنَّهُ قَدْ أَظَلَّكَ زَمَانُ نَبِيٍّ هُوَ مَبْعُوثٌ بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ يَخْرُجُ بِأَرْضِ الْعَرَبِ، مُهَاجِرًا إِلَى أَرْضٍ بَيْنَ حَرَّتَيْنِ(١) بَيْنَهُمَا نَخْلٌ، بِهِ عَلَامَاتٌ لَا تَخْفَى: يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ، وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ، فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَلْحَقَ بِتِلْكَ الْبِلَادِ فَافْعَلْ،
- فيهِ أنَّ ذلكَ الرَّجلَ مِنَ النَّصارى كانَ على علمٍ تامٍّ بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وأنَّهُ سيُبعَثُ في هذا الزَّمانِ، وعرَفَ أوصافَهُ وعلاماتِهِ، وعرَفَ تفاصيلَ مِنْ ذلكَ، كما وصفَهُمُ اللهُ تعالى في القرآنِ:
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦](٢)
- وعلِمَ هذا الرَّجلُ دينَ إبراهيمَ وأنَّ ذلكَ النَّبيَّ سيكونُ على دينِ إبراهيمَ عليه السلام.
الهوامش
- «بَيْنَ حَرَّتَيْنِ»: قالَ الخليلُ في «العينِ»: «والحَرَّةُ: أرضٌ ذاتُ حِجارةٍ سُودٍ نَخِرةٍ كأنَّما أُحرِقَتْ بالنَّارِ». ↩
- وروَى الطَّبرانيُّ في «الكبيرِ» حديثًا مختصَرًا عنْ سلمانَ يصفُ هذا الأمرَ وفيهِ ذكرُ الآيةِ ثمَّ قالَ: «وَكَانُوا يَقُولُونَ: هَذَا زَمَانُ نَبِيٍّ قَدْ أَظَلَّ يَخْرُجُ مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ لَهُ عَلَامَاتٌ، مِنْ ذَلِكَ شَامَةٌ مُدَوَّرَةٌ بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ». ورُويَ هذا المعنى للآية عنْ عددٍ مِنْ مفسِّري السَّلفِ، والقولُ الآخرُ عندهمْ ما رواه الطَّبريُّ بإسنادِه عن قتادةَ: «يعرِفونَ أنَّ البيتَ الحرامَ هو القبلةُ». ↩