ibnu-musafir.com

فصل من كتاب «قِصَّةُ إِسْلَامِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ» · قراءة الكتاب بصيغة PDF

الدَّلائلُ العجيبةُ على غُربةِ الدِّينِ وتبديلِهِ عندَ أُولئكَ النَّصارى

قَالَ: أَيْ بُنَيَّ وَاللهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا الْيَوْمَ عَلَى مَا كُنْتُ عَلَيْهِ، لَقَدْ هَلَكَ النَّاسُ وَبَدَّلُوا وَتَرَكُوا أَكْثَرَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ، إِلَّا رَجُلًا بِالْمَوْصِلِ، وَهُوَ فُلَانٌ، فَهُوَ عَلَى مَا كُنْتُ عَلَيْهِ، فَالْحَقْ بِهِ،

فأمَّا نحنُ فقدْ طالَ بنا الزَّمانُ أكثرَ مِن ضِعفَيْ ما مرَّ على النَّصارى حينئذٍ وقدْ رأيتَ حالَهمْ كما وُصِفتْ في الحديثِ! ومِنْ رحمةِ اللهِ بأمَّةِ الإسلامِ أنْ يحفظَ دِينَها مِنْ الضَّياعِ التَّامِّ، وليسَ معنى ذلكَ أنَّ التَّحريفَ والتَّبديلَ والتَّركَ لا ينتشرُ فيها بكثرةٍ، بلْ قدْ حصلَ كلُّ ذلكَ، حتى إنَّ أهلَ السُّنَّةِ في القرونِ الأُولَى أظهروا هذا كما أظهرَهُ أبو محمَّدٍ البربهاريُّ - المتوفَّى سنةَ ٣٢٩ هـ ! - في «شرحِ السُّنَّةِ» حينَ قالَ: «واحذرْ ثمَّ احذرْ [أهلَ] زمانِكَ خاصَّةً، وانظرْ مَنْ تُجالسُ، ومِمَّنْ تسمعُ، ومَنْ تَصحَبُ، فإنَّ الخلقَ كأنَّهمْ في ‌رِدَّةٍ، إلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللهُ مِنهمْ».

وقالَ نحوَهُ ابنُ بَطَّةَ العُكبَريُّ - المتوفَّى ٣٨٧ هـ - في مقدِّمةِ «الإبانةِ الكبرى»:

«عَصَمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْ غَلَبَةِ الْأَهْوَاءِ وَمُشَاحَنَةِ الْآرَاءِ، وَأَعَاذَنَا وَإِيَّاكُمْ مِنْ نُصْرَةِ الْخَطَأِ، وَشَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ، وَأَجَارَنَا وَإِيَّاكُمْ مِنْ غِيَرِ الزَّمَانِ(١)، وَزَخَارِيفِ الشَّيْطَانِ(٢)، فَقَدْ كَثُرَ الْمُغْتَرُّونَ بِتَمْوِيهَاتِهَا، وَتَبَاهَى الزَّائِغُونَ وَالْجَاهِلُونَ بِلبْسَةِ حُلَّتِهَا(٣)، فَأَصْبَحْنَا وَقَدْ أَصَابَنَا مَا أَصَابَ الْأُمَمَ قَبْلَنَا، وَحَلَّ الَّذِي حَذَّرَنَاهُ نَبِيُّنَا صلى الله عليه وسلم مِنَ الْفُرْقَةِ وَالِاخْتِلَافِ، وَتَرْكِ الْجَمَاعَةِ وَالِائْتِلَافِ، وَوَاقَعَ أَكْثَرُنَا الَّذِي عَنْهُ نُهِينَا، وَتَرَكَ الْجُمْهُورُ مِنَّا مَا بِهِ أُمِرْنَا، فَخَلَعَتْ لِبْسَةَ الْإِسْلَامِ، وَنَزَعَتْ حِلْيَةَ الْإِيمَانِ، وَانْكَشَفَ الْغِطَا، وَبَرَحَ الْخَفَا، فَعُبِدَتِ الْأَهْوَاءُ، وَاسْتُعْمِلَتِ الْآرَاءُ، وَقَامَتْ سُوقُ الْفِتْنَةِ، وَانْتَشَرَتْ أَعْلَامُهَا، وَظَهَرَتِ الرِّدَّةُ، وَانْكَشَفَ قِنَاعُهَا، وَقُدِحَتْ زِنَادُ الزَّنْدَقَةِ(٤) فَاضْطَرَمَتْ نِيرَانُهَا، وَخُلِفَ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم فِي أُمَّتِهِ بِأَقْبَحِ الْخَلَفِ، وَعَظُمَتِ الْبَلِيَّةُ، وَاشْتَدَّتِ الرَّزِيَّةُ وَظَهَرَ الْمُبْتَدِعُونَ، وَتَنَطَّعَ الْمُتَنَطِّعُونَ، وَانْتَشَرَتِ الْبِدَعُ، وَمَاتَ الْوَرَعُ ...».

وقدْ أخبرَنا النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بوقوعِ الغربةِ الشَّديدةِ في هذهِ الأُمَّةِ فيما روى مسلمٌ عنْ أبي هريرةَ عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: «‌بَدَأَ ‌الْإِسْلَامُ ‌غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ». وروى ابنُ أبي الدُّنيا في «العقوباتِ» عنْ عليٍّ رضي الله عنه قالَ: «سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَبْقَى مِنَ الْإِسْلَامِ إِلَّا اسْمُهُ، وَلَا مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا رَسْمُهُ، مَسَاجِدُهُمْ يَوْمَئِذٍ عَامِرَةٌ وَهِيَ خَرَابٌ مِنَ الْهُدَى، ‌عُلَمَاؤُهُمْ ‌شَرُّ مَنْ تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ(٥)، مِنْهُمْ خَرَجَتِ الْفِتْنَةُ، وَفِيهِمْ تَعُودُ»(٦).

ولْيَتأمَّلِ النَّاصحُ لنفسِهِ حالةَ الغربةِ المذكورةَ في الحديثِ الَّتي وقعتْ لأمَّةِ النَّصارى، لو كانَ يعيشُ في ذاكَ الزَّمانِ هلْ يكونُ أشبهَ بسلمانَ الفارسيِّ أمْ بعامَّةِ النَّاسِ أتباعِ كلِّ ناعقٍ والَّذينَ يُحسِنونَ الظَّنَّ بكلِّ مَنْ يتكلَّمُ في الدِّينِ ولا يُكلِّفونَ أنفسَهمْ عَناءَ البحثِ عنِ الحقِّ؟ ولْيَتأمَّلْ إذا كانَ الصَّلاحُ والفِرارُ مِنَ التَّحريفِ عندهمْ بهذهِ القِلَّةِ يَلزَمُ مِنْ ذلكَ كثرةُ الباطلِ وأهلِهِ، فلو كانَ هوَ عندهمْ هلْ يكونُ مِمَّنْ يسألُ كثرةَ العلماءِ المنحرفينَ ويكتفي بقولِهمْ؟ أمْ يكونُ مِمَّنْ يبحثُ عنِ العلمِ ويجتهدُ فيهِ ويرجعُ إلى مصادرِهِ ولا يَغترُّ بكلامِ النَّاسِ وإنْ كانتْ لهمُ الغَلَبةُ؟

فإنَّ النَّاسَ في أزمنةِ غربةِ الدِّينِ يُرفعُ عنهمُ العلمُ بذهابِ العلماءِ وينتشرُ فيهمُ الجهلُ وأهلُهُ فيسألُهمْ مَنْ يُشبهُهمْ في سوءِ المقاصدِ فيَغْترُّ بهمْ، كما قالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في وصفٍ دقيقٍ جدًّا لمثلِ هذهِ الحالةِ فيما روَى البخاريُّ عَنْ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرو بنِ العاصِ عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، ‌فَضَلُّوا ‌وَأَضَلُّوا».

فإنَّ عامَّةَ النَّاسِ اليومَ يظنُّونَ أنفسَهمْ في أمانٍ تامٍّ مِنَ الوقوعِ في مخالفةِ التَّوحيدِ ومناقضتِهِ. فلْيَسألْ أمثالُ هؤلاءِ أنفسَهمْ: مَنْ يَرى نفسَهُ في زمنِ الغربةِ الشَّديدةِ في هذا الأمانِ الموهومِ، كيفَ يبحثُ عنِ الحقِّ وهوَ يظنُّ نفسَهُ عليهِ تمامًا؟ وكيفَ يبحثُ عنْ أهلِ الحقِّ وهوَ يظنُّ أنَّ كلَّ مَنْ يتكلَّمُ في الدِّينِ على خيرٍ؟

الهوامش

  1. «مِنْ غِيَرِ الزَّمَانِ»: قالَ ابنُ سيدَه في «المحكمِ»: «‌وغِيَرُ ‌الدَّهْرِ: أحداثُهُ الْمُغيِّرَةُ»، والحِميريُّ في «شمسِ العلومِ»: «حوادثُهُ، وهوَ اسمٌ مِنْ غيَّرَ يغيِّرُ ... قالَ بعضُهمْ: هوَ واحدٌ وجمعُهُ: أغيارٌ، وقيلَ: هوَ جمعُ: غِيَرةٍ». وفي «مختارِ الصِّحاحِ»: ««الْغِيَرُ» بِوَزْنِ الْعِنَبِ: الِاسْمُ مِنْ قَوْلِكَ: «غَيَّرْتُ» الشَّيْءَ «فَتَغَيَّرَ». قُلْتُ: وَمِنْهُ ‌غِيَرُ ‌الزَّمَانِ. وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: قَالَ الْكِسَائِيُّ: هُوَ اسْمٌ مُفْرَدٌ مُذَكَّرٌ وَجَمْعُهُ «أَغْيَارٌ». وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: هُوَ جَمْعُ «غِيْرَةٍ». وَ «الْغَيْرَةُ» بِالْفَتْحِ مَصْدَرُ قَوْلِكَ: غَارَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ يَغَارُ». ↩
  2. «وَزَخَارِيفِ الشَّيْطَانِ»: الجمعُ المعروفُ «زَخارفُ»، وأمَّا «زَخاريفُ» فهوَ نادرٌ يكادُ لا يوجدُ في الكتبِ، ما وجدتُ لهُ ذكرًا في شيءٍ مِنَ المعاجمِ، ولمْ أجدْ ذكرًا أصلًا قبلَ المصنِّفِ إلَّا في «ديوانِ عمارةَ بنِ عقيلٍ» الشَّاعرِ وفي «البُلدانِ» لابنِ الفقيهِ. وإلى يومِنا هذا يكادُ لا يُستعملُ، وزعمَ صاحبُ «نزهةِ الأعينِ والنواظرِ» أنَّها صيغةٌ تُقالُ، واللهُ تعالى أعلمُ. ↩
  3. «بِلبْسَةِ حُلَّتِهَا»: قالَ الأزهريُّ في «تهذيبُ اللُّغةِ»: «‌واللِّبْسةُ: حالةٌ مِنْ حالاتِ اللُّبْسِ، ولبِستُ الثَّوبَ لَبْسةً واحدةً»، والضَّبطُ في نُسَخِ «الإبانةِ» التي رأيتُ بالضَّمِّ، وإذا أُريدَ هيئةُ اللِّباسِ كما في بعضِ الأحاديثِ فالأصحُّ - على ما يَظهَرُ لي - كسرُ اللَّامِ، واللهُ أعلمُ.

    وأمَّا بالضَّمِّ فجاءَ في «جمهرةِ اللُّغةِ» لابنِ دُريدٍ: «ولبَستُ الْأَمرَ على فلَانٍ ألبِسُهُ لَبْسًا ولبَّستُهُ تلبيسًا إِذا عمَّيتُهُ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ فُسِّرَ فِي التَّنْزِيلِ: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩]. وَفِي أَمرِ فلَانٍ ‌لُبْسةٌ أَي ليسَ بواضحٍ» إنْ كانَ هنا بالضَّمِّ - لا بالفتحِ - كما ضبطَ هذه العبارةَ بعضُ المتأخِّرينَ، واللهُ أعلمُ. و«الحُلَّةُ» كلُّ ثوبٍ جيِّدٍ، وقيلَ غيرُ ذلك. ↩

  4. «زِنَادُ الزَّنْدَقَةِ»: جاء في «المعجم الوسيط»: «الزَّنْدُ: العودُ الأعلى الذي تُقدحُ به النَّارُ، جمعُه زِنادٌ»، و«قَدَح الزَّنْدَ: ضرَبَه بِحجَرِه لِيُخْرِجَ النَّارَ مِنه». ↩
  5. أَدِيمُ كلِّ شيءٍ ظاهرُه، قالَ ابنُ سيدَه في «المحكمِ»: «‌وأدِيمُ ‌السَّماءِ: ما ظَهَرَ مِنْها». ↩
  6. في رواياتِهِ ضعفٌ، وَذكرَهُ أحمدُ في رسالتِهِ في «الصَّلاةِ» بعدَ أنْ قالَ: «وجاءَ عنهُ صلى الله عليه وسلم»، والبخاريُّ في «خلقُ أفعالِ العبادِ» قالَ: «وَيَذْكُرُونَ عَنْ عَلِيٍّ رضي اللهُ عنهُ» ثمَّ ذكرَ أوَّلَهُ. ورواهُ ابنُ عديٍّ في «الكاملِ»، وابنُ بطّةَ في «إبطالِ الحيَلِ»، وابنُ قتيبةَ الدِّينَوَرِيُّ في «المجالسةُ وجواهرُ العلمِ». ↩