موتُ الأُسقُفِّ وكشفُ سلمانَ حقيقتَهُ للنَّاسِ
قَالَ: وَأَبْغَضْتُهُ بُغْضًا شَدِيدًا لِمَا رَأَيْتُهُ يَصْنَعُ، ثُمَّ مَاتَ، فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ النَّصَارَى لِيَدْفِنُوهُ، فَقُلْتُ لَهُمْ: إِنَّ هَذَا كَانَ رَجُلَ سَوْءٍ يَأْمُرُكُمْ بِالصَّدَقَةِ وَيُرَغِّبُكُمْ فِيهَا فَإِذَا جِئْتُمُوهُ بِهَا اكْتَنَزَهَا لِنَفْسِهِ، وَلَمْ يُعْطِ الْمَسَاكِينَ مِنْهَا شَيْئًا، قَالُوا: وَمَا عِلْمُكَ بِذَلِكَ؟ قَالَ: قُلْتُ أَنَا أَدُلُّكُمْ عَلَى كَنْزِهِ، قَالُوا: فَدُلَّنَا عَلَيْهِ، قَالَ: فَأَرَيْتُهُمْ مَوْضِعَهُ، قَالَ: فَاسْتَخْرَجُوا مِنْهُ سَبْعَ قِلَالٍ مَمْلُوءَةٍ ذَهَبًا وَوَرِقًا، قَالَ: فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا: وَاللهِ لَا نَدْفِنُهُ أَبَدًا فَصَلَبُوهُ، ثُمَّ رَجَمُوهُ بِالْحِجَارَةِ،
- فيهِ أنَّهُ أبغضَ الرَّجلَ لما فيهِ مِنْ فسوقٍ وسوءٍ، قالَ البخاريُّ في ترجمةِ «كتابِ الإيمانِ» في «الجامعِ الصَّحيحِ»: «وَالْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ مِنَ الْإِيمَانِ»، ورُويَ في أحاديثَ مختلفةٍ أنَّهما «أوثقُ عُرَى الإسلامِ»، و«أوثقُ عُرى الإيمانِ»، و«أفضلُ الأعمالِ».
وروى أبو داودَ في «السُّنَنِ» في «كتابِ السُّنَّةِ - بَابُ الدَّليلِ على زيادةِ الإيمانِ ونقصانِهِ»: «عَنْ أبي أُمامةَ، عَنْ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قالَ: «مَنْ أحبَّ للهِ، وأبغضَ للهِ، وأعطى للهِ، ومنعَ للهِ فقدِ استكملَ الإيمانَ»».
- وهُنا فائدةٌ عظيمةٌ وهي أنَّ فسقَ ذلكَ الأُسْقُفِّ وبغضَهُ لهُ لمْ يصرفْ سلمانَ عنِ الدِّينِ نفسِهِ، لأنَّ كثيرًا مِنَ النَّاسِ إذا رأَوا شيئًا مِنْ رجلٍ ينتسبُ إلى الدِّينِ يأخذونَ ذلكَ ذريعةً لتركِ الدِّينِ كلِّهِ ويقولونَ لو كانَ في هذا الدِّينِ خيرٌ ما خبُثَ عملُ أتباعِهِ.
- وفيهِ صدقُ سلمانَ وأنَّهُ فضحَ أمرَهُ بعدَ موتِهِ وأظهرَ الحقَّ وأعانَ على إظهارِهِ، فإنَّهُ كانَ بإمكانِهِ أنْ يأخذَ المالَ أو بعضَهُ لنفسِهِ.