وصولُهُ إلى الشَّامِ وبحثُهُ عمَّنْ يعلِّمُهُ الدِّينَ وانكشافُ حقيقةِ الأُسْقُفِّ الَّذي دُلَّ عليهِ
فَلَمَّا قَدِمْتُهَا، قُلْتُ: مَنْ أَفْضَلُ أَهْلِ هَذَا الدِّينِ؟11 قَالُوا: الْأُسْقُفُّ12 فِي الْكَنِيسَةِ، قَالَ: فَجِئْتُهُ، فَقُلْتُ: إِنِّي قَدْ رَغِبْتُ فِي هَذَا الدِّينِ، وَأَحْبَبْتُ أَنْ أَكُونَ مَعَكَ أَخْدُمُكَ فِي كَنِيسَتِكَ، وَأَتَعَلَّمُ مِنْكَ وَأُصَلِّي مَعَكَ، قَالَ: فَادْخُلْ فَدَخَلْتُ مَعَهُ، قَالَ: فَكَانَ رَجُلَ سَوْءٍ يَأْمُرُهُمْ بِالصَّدَقَةِ وَيُرَغِّبُهُمْ فِيهَا، فَإِذَا جَمَعُوا إِلَيْهِ مِنْهَا أَشْيَاءَ، اكْتَنَزَهُ لِنَفْسِهِ، وَلَمْ يُعْطِهِ الْمَسَاكِينَ، حَتَّى جَمَعَ سَبْعَ قِلَالٍ13 مِنْ ذَهَبٍ وَوَرِقٍ14،
- مِنْ فهمِهِ أنَّهُ سألَ عنْ أفضلِ أهلِ هذا الدِّينِ، وهذا مِنْ جِدِّهِ وعزمِهِ في الطَّلبِ، لأنَّهُ لمْ يكتفِ بأيِّ شيءٍ بلْ أرادَ أفضلَ جهةٍ يتعلَّمُ الدِّينَ منها.
- كذلكَ لمْ يكنْ يتأخَّرُ أو يلهُو بلْ توجَّهَ لمقصودِهِ فورًا، لأنَّهُ لمْ يُقدِمْ على الشَّامِ إلا لمعرفةِ الدِّينِ. ثمَّ لمَّا لقيَ الأُسْقُفَّ الَّذي دلُّوهُ عليهِ لمْ يتردَّدْ أنْ يقدِّمَ لهُ خدمتَهُ ليتعلَّمَ الدِّينَ، بينما أكثرُ النَّاسِ في ذلكَ المكانِ لمْ يرفعوا لذلكَ رأسًا معَ تيسُّرِ الوصولِ إليهِ دونَ أيِّ مشقَّةٍ!
- فيهِ أنَّ سلمانَ صرَّحَ لهُ بإرادةِ التعلُّمِ، فإنَّهُ علمَ ببديهةِ العقلِ أنَّهُ لا يصلُ إلى معرفةِ هذا الدِّينِ إلا بالتعلُّمِ، كما روى وكيعٌ في «الزُّهدِ»: «قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إِنَّ أَحَدًا لَا يُولَدُ عَالِمًا وَإِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ»15، وروى أبو خيثمةَ في «العلمِ» عنْ أبي الدَّرداءِ: «العلمُ بالتَّعلُّمِ، والحِلمُ بالتَّحلُّمِ، ومَنْ يَتَحَرَّ الخيرَ يُعطَهُ ومَنْ يَتَوَقَّ الشَّرَّ يُوقَهُ»16، وقصَّةُ سلمانَ خيرُ مثالٍ على هذا. فسلمانُ قصدَ هذا الرَّجلَ ليتعلَّمَ منهُ لا للتمسُّحِ والتبرُّكِ بهِ.
- والأمرُ الثَّاني الَّذي أرادَهُ عندَهُ هوَ الصَّلاةُ معهُ ممَّا يدلُّ على أهمِّيَّةِ الصَّلاةِ في الدِّينِ وأنَّ ذلكَ كانَ مِنْ أوضحِ الأمورِ عندَ سلمانَ إذْ مقصودُ الدِّينِ هوَ التقرُّبُ إلى اللهِ بالتعبُّدِ، والصَّلاةُ أهمُّ وسيلةٍ وأقربُ طريقٍ لذلكَ.
- وفيهِ أنَّ مِنْ رجالِ الدِّينِ مَنْ يَتظاهرُ بالخيرِ والصَّلاحِ عندَ النَّاسِ معَ أنَّهُ خبيثٌ في نفسِ الأمرِ إنَّما يستغلُّ الدِّينَ لجمعِ المالِ ونيلِ أغراضِ الدُّنيا، كما قالَ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۗ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: 34-35].
- أنَّ كثيرًا مِنَ النَّاسِ قدِ اغترُّوا بتظاهرِ الرَّجلِ بالصَّلاحِ، فلمَّا سُئِلوا عنْ أفضلِ أهلِ دينِهمْ أشاروا إليهِ، ولكنْ مَنْ عاشرَهُ واطَّلعَ على أمورِهِ تنكشفُ لهُ حقيقتُهُ سريعًا كما حصلَ لسلمانَ الفارسيِّ.
الهوامش
- وعند ابن هشام: «مَنْ أَفَضْلُ أَهْلِ هَذَا الدِّينِ عِلْمًا؟». ↩
- «الْأُسْقُفُّ»: قال الخليلُ في «العينِ»: «والأُسْقُفُّ: رأسٌ مِنْ رءوسِ النَّصارى، ويجمعُ أساقِفَةً». ↩
- «قِلَالٍ»: قال الجوهريُّ في «الصِّحاحِ»: «والقُلَّةُ: إناءٌ للعربِ، كالجَرَّةِ الكبيرةِ، وقدْ تُجْمَعُ على قِلَلٍ». ↩
- «الورِقُ»: هو الفضَّةُ. ↩
- ورواهُ كذلكَ ابنُ أبيِ شيبةَ في «المصنَّفِ»، وأحمدُ في «الزُّهدِ». ↩
رواهُ أيضًا هنَّادُ بنُ السَّرِيِّ في «الزُّهدِ»، وابنُ أبيِ الدُّنيا في «الحِلمِ»، ورفَعهُ بعضُهمْ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، قالَ الدَّارقطنيُّ في «العِلَلِ»: «عنْ أبي الدَّرداءِ مَوْقُوفًا وَهُوَ الْمَحْفُوظُ».
وأشارَ إليهِ البخاريُّ في «الصَّحيحِ» في «كتابِ العلمِ» في ترجمةِ البابِ «الْعِلْمُ قَبْلَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ»، فذكرَ فيهِ: «وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا، يُفَهِّمْهُ» وَإِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ» وفي نُسخَةٍ «يُفقِّهْهُ في الدِّينِ» على الرِّوايةِ المشهورةِ. ↩