مُقدِّمةٌ
بِسْمِ اللهِ والحَمْدُ للهِ والصَّلاةُ والسَّلامُ على رسولِ اللهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن والاهُ.
قصّةُ إسلامِ سلمانَ الفارسيِّ رضي الله عنه وبحثِهِ عنِ الحقِّ التي ذُكِرَتْ في حديثٍ طويلٍ فيها عِبرٌ عظيمةٌ وفوائدُ جليلةٌ يستحقُّ أنْ يقفَ المسلمُ عندها متأمِّلًا. ومِن أجَلِّ هذهِ العبرِ والفوائدِ ما فيهِ مِن دلائلِ التَّوحيدِ وبيانِ أنَّ المرءَ مَهما بذلَ ممّا هو مِن أعمالِ الخيرِ في الظَّاهرِ وفي أعينِ النَّاسِ فإنَّهُ لنْ يدخلَ الجنّةَ إذا فعلَ فعلًا واحدًا مِنَ الشَّركِ الأكبرِ بأنْ عبدَ غيرَ اللهِ واتَّخذَ معهُ إلهًا آخرَ - إلاّ أنْ يتوبَ منهُ. وفَهْمُ هذا الأمرِ مع ما فيهِ مِنَ البَساطةِ والأصالةِ في دينِ الإِسْلَامِ إلاّ أنَّهُ يُشكِلُ على كثيرٍ مِنَ النَّاسِ اليومَ.
وقدْ كتبتُ هذهِ السُّطورَ واستخرجتُ هذهِ الفوائدَ قبلَ سنواتٍ كثيرةٍ في مؤلفٍ آخرَ أنوي مراجعتَه وإعادةَ نشرهِ منذُ زمنٍ، ورأيتُ أنْ أجعلَ شرحَ هذا الحديثِ في رسالةٍ منفردةٍ بفهرسٍ مستقلٍّ حتى يَسهُلَ على عامَّةِ القُرَّاءِ النَّظرُ في هذهِ القصَّةِ العجيبةِ الحمَّالةِ للفوائدِ لِمَنْ أخلصَ في البحثِ وقصَدَ الفَهمَ.
والحديثُ رواهُ عددٌ مِنْ أهلِ السِّيرِ والحديثِ في كتبِهِمْ عنْ ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما. فقدْ رواهُ بطولِهِ ابنُ إسحاقَ في «السِّيرةِ» في بابِ «إسلامُ سلمانَ الفارسيِّ رحمهُ اللهُ»، وعنْ ابنِ إسحاقَ رواهُ ابنُ هشامٍ في «السِّيرةِ»، وابنُ سعدٍ في «الطَّبقاتِ»، ومَنْ بعدَهمْ مِن أهلِ الحديثِ في مصنَّفاتِهِمْ.
فرواهُ أحمدُ في «المسندِ»، والبزارُ في «المسندِ»، والطبرانيُّ في «المعجمِ الكبيرِ».
وهناكَ روايةٌ أخرى مختصَرةٌ مِن طريقِ أَبِي قُرَّةَ الْكِنْدِيِّ عنْ سلمانَ الفارسيِّ ستُذكرُ في آخرِ هذهِ الرِّسالةِ ويشارُ هناكَ إلى تخريجِها.
ورُوِيتِ القصَّةُ كذلكَ في بعضِ كتبِ التَّفسيرِ، كما رواها الطَّبريُّ بطولِها، وبعضُهم روى ما يتعلَّقُ بالتَّفسيرِ منها مختصَرًا، كما سيأتي في بابٍ مستقلٍّ في آخرِ هذهِ الرِّسالةِ.
وقدْ اعتمدتُ في هذهِ الرِّسالةِ على روايةِ أحمدَ (ط مؤسَّسةِ الرَّسالةِ)، وقرأتُ الرِّواياتِ المذكورةَ وقارنتُ بينَها، ولا أشيرُ إلى الفوارقِ إلاّ ما كانَ مهمًّا وأتَى بفائدةٍ جديدةٍ أو يُعِينُ على الفهمِ.
أذكرُ الفوائدَ بعدَ كلِّ جزءٍ مِنَ الحديثِ، وأذكرُ توضيحاتٍ في الهامشِ إذا كانَ الموضعُ في نصِّ الحديثِ بِحاجةٍ إليه، وبَيْنَ ذلكَ شرحُ غريبِ الحديثِ مِن معاجمِ اللُّغةِ وكتبِ غريبِ الحديثِ. وأعتمدُ في ذلكَ كلِّهِ على كتبِ المتقدِّمينَ قدْرَ الإمكانِ، وقد أنقلُ في توضيحِ اللُّغةِ خصوصًا عباراتٍ عن بعضِ المراجعِ اللُّغويَّةِ انحَرفَ أصحابُها في الاعتقادِ، لأنَّ هذهِ المعانيَ اللُّغويَّةَ كانتْ منتشرةً معروفةً في القرونِ الأولَى. فليسَ معنى ذكرِهِمْ هنا تزكيتَهُمْ أو أن يُحتجَّ بهمْ في شيءٍ مِن أمورِ الدِّينِ.1
فأسألُ اللَّهَ تعالى أنْ ينفعَ بهذهِ الرِّسالةِ المسلمينَ وأنْ يوفِّقنا جميعًا لنَيلِ رضاهُ، إنَّهُ وليُّ ذلكَ والقادرُ عليهِ، وباللَّهِ تعالى التَّوفيقُ والسَّدادُ.
الهوامش
- ولا أُدخِلُ في النُّصوصِ المنقولةِ شيئًا مِن عندي، فإذا وُجدتْ في النَّصِّ المنقولِ مَعقُوفتانِ [ ] فإنَّهُما مِن أصلِ المصدرِ، إشارةً إلى اختلافِ النُّسخِ، فأُبقي الموضعَ كما هو. ↩