نشأةُ سلمانَ الفارسيِّ رضي الله عنه على دينِ المجوسيَّةِ
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ حَدِيثَهُ مِنْ فِيهِ، قَالَ:
كُنْتُ رَجُلًا فَارِسِيًّا مِنْ أَهْلِ أَصْبَهَانَ(١) مِنْ أَهْلِ قَرْيَةٍ مِنْهَا يُقَالُ لَهَا جَيٌّ(٢)، وَكَانَ أَبِي دِهْقَانَ(٣) قَرْيَتِهِ، وَكُنْتُ أَحَبَّ خَلْقِ اللهِ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حُبُّهُ إِيَّايَ حَتَّى حَبَسَنِي فِي بَيْتِهِ كَمَا تُحْبَسُ الْجَارِيَةُ، وَاجْتَهَدْتُ فِي الْمَجُوسِيَّةِ حَتَّى كُنْتُ قَطَنَ النَّارِ(٤) الَّذِي يُوقِدُهَا لَا يَتْرُكُهَا تَخْبُو(٥) سَاعَةً،
- في ذلكَ أنَّ سلمانَ نشأَ في بيتٍ يهتمُّ أهلُهُ كثيرًا بدينِ المجوسيَّةِ عبّادِ النَّارِ، وأنَّ أباهُ كانَ لهُ شأنٌ في دينِ المجوسِ.
- الحبُّ الشَّديدُ مِن أبيهِ لهُ وأنَّهُ خصَّصَهُ لأعمالِ الدِّينِ وأنَّ أباهُ حافظَ عليهِ وكذلكَ خافَ عليهِ، ومِن أجلِهِ حبَسهُ في دارِهِ.
- أنَّ سلمانَ أهمَّهُ أمرُ الدِّينِ واجتهدَ في دينِ المجوسيَّةِ حتّى صارَ هوَ مَنْ يراعي النَّارَ عندهمْ.
الهوامش
«أَصْبَهانُ» ويَرِدُ أيضًا «أَصْفَهانُ»: مدينةٌ فارسيَّةٌ تقعُ اليومَ في وسَطِ إيرانَ، والنِّسبةُ إليها «الأصبهانيُّ» و«الأصفهانيُّ».
وروى البخاريُّ في «الصَّحيحِ» في «فضائلِ أصحابِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم - بَابُ إِسْلَامِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ رضي اللهُ عنهُ» بإسنادِهِ عنْ أبي عثمانَ النَّهديِّ قالَ: «سَمِعْتُ سَلْمَانَ رضي اللهُ عنهُ يَقُولُ: أَنَا مِنْ رَامَ هُرْمُزَ». ورامُ هرمزَ في إيرانَ كذلك، في الجنوبِ الغربيِّ منها، في إقليمِ الأهوازِ قريبًا مِن حدودِ العراقِ. ولعلَّ مرادَ سلمانَ أنَّ أصلَه مِن رامَ هرمزَ ثمَّ نزلَ بِأصبهانَ وسكنَ فيها فانتسبَ إليهما مِنْ هذا الوجهِ واللهُ أعلمُ. ↩
- «جَيٌّ»: قالَ ياقوتُ في «معجمِ البلدانِ»: «اسمُ مدينةٍ ناحيةَ أصبهانَ القديمةِ، وهي الآنَ كالخرابِ منفردةٌ، وتُسمَّى الآنَ عندَ العَجمِ شَهْرِسْتانُ وعندَ المحدِّثينَ المدينةُ، وقدْ نُسِبَ إليها المدِينيُّ عالمٌ مِنْ أهلِ أصبهانَ»، يَقصدُ أبا موسى المدينيَّ، مِنْ حفَّاظِ الحديثِ في القرنِ السَّادسِ، مِنْ شيوخِ عبدِ الغنيِّ المقدسيِّ. ولمْ يقصدْ أنَّ المدينةَ ذَهَبتْ بلْ أنَّها صارتْ مُنفصِلةً مُهمَلةً، واللهُ تعالى أعلمُ. ↩
«دِهقانٌ»: جاءَ في «جَمهرةِ اللُّغةِ» لابنِ دُرَيدٍ: «فَأَمَّا الدُّهْقانُ ففارسيٌّ معرَّبٌ ... يُقَالُ دِهْقانٌ ودُهْقانٌ وقِرْطاسٌ وقُرْطاسٌ»، وقالَ ابنُ سِيدَه في «المخصَّصِ»: «هُوَ القَويُّ على التَّصَرُّفِ مَعَ حِدّةٍ وَالْأُنْثَى دِهْقانةٌ»، وقالَ في «المحكمُ والمحيطُ الأعظمُ» إنَّهُ «التَّاجرُ».
وظاهرٌ مِنْ سياقِ الحديثِ أنَّهُ كبيرُ القريةِ عمومًا بما في ذلكَ رئاستُهُ في دينِهم. ↩
«قَطَنَ النَّارِ»: قالَ ابنُ قتيبةَ في «غريبِ الحديثِ»: «قَطِنُ النَّارِ: الْمُقِيمُ عِنْدهَا لَا يفارقُها، وَهُوَ مِنْ قَوْلِكَ: قطَنَ فلَانٌ بِالْمَكَانِ إذا أَوطَنَهُ وَأقَامَ بِهِ، يقطُنُ قطْنًا».
فهيَ تُضبطُ بفتحِ الطَّاءِ وبالكسرِ، جاءَ في «لسانِ العربِ»: «قَالَ شَمِرٌ: قَطِنُ النَّارِ خازِنُها وخادِمُها وَيَجُوزُ أَنَّه كَانَ مُقِيمًا عَلَيْهَا، رَوَاهُ بِكَسْرِ الطَّاءِ. وقَطَنَ يَقْطُنُ إِذا خَدَم. قَالَ ابْنُ الأَثير: أَراد أَنه كَانَ لَازِمًا لَهَا لَا يُفَارِقُهَا مِنْ قَطَنَ فِي الْمَكَانِ إِذا لَزِمَهُ، قَالَ: وَيُرْوَى بِفَتْحِ الطَّاءِ، جَمْعُ قَاطِنٍ كخَدَمٍ وخادِمٍ». والله أعلم. ↩
- «تَخْبُو»: مِنَ الفعلِ «خبَا يَخبو»، يقالُ «خبَتِ النَّارُ» إذا سكنتْ، وفي القرآنِ: ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧]، والعياذُ باللهِ. ↩