ibnu-musafir.com

مِن كتابِ «فِي بَيَانِ مَعْنَى الْإِسْلَامِ» · قراءة الكتاب بصيغة PDF

«باب» (١٠): معرفةُ مشركِي العربِ والعجمِ معنَى الشّهادةِ وفهمُهم لِما خاطبَهم به الأنبياءُ عليهم السلام

«فصل» (١٢): قصّةُ هِرَقْلَ ومعرفةُ أهلِ الكتابِ والمشركينَ معنَى الإسلامِ

والعَجَمُ أيضًا كانوا يَعرفونَ معنَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كما يتبيّنُ مِن قصّةِ هِرَقْلَ.

١١٢ - أَخرجَ الْبُخَارِيُّ عن أَبِي سُفْيَانَ: «قَالَ: مَاذَا يَأْمُرُكُمْ؟ قُلْتُ: يَقُولُ: «اعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ»، وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالصِّلَةِ»

ثمّ فسّرَ هِرَقْلُ جوابَه فقال: «وَسَأَلْتُكَ: بِمَا يَأْمُرُكُمْ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَيَأْمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ». [صحيحُ الْبُخَارِيِّ (ت ٢٥٦هـ)، متّفقٌ عليه]

فإنّ هِرَقْلَ كان يَعلمُ يقينًا أنّ هذا الدِّينَ إن كان هو دِينَ اللَّهِ على الحقيقةِ، فلا بُدَّ أنّه دِينُ توحيدِ العبادةِ وأنّ مُحَمَّدًا إن كان نبيًّا حقًّا، فلا بُدَّ أن يأمرَ بدِينِ اللَّهِ، بدِينِ التّوحيدِ في العبادةِ.

وكذلك أَبُو سُفْيَانَ لم يَخْفَ عليه ما يُريدُ النّبيُّ ﷺ مِنهم، ولا ما هو الإسلامُ. فلو سألَ هِرَقْلُ عن رجلٍ يدّعِي النّبوّةَ: «بمَ يأمرُكم؟» فأجابَ المسؤولُ: «يأمرُنا بالصّلاةِ، ولو عَبَدْنا الأوثانَ وقُمنا بصلاتِه التي يأمرُنا بها لكُنّا على دِينِه»، لعَلِمَ قطعًا أنّ هذا المدّعِيَ مِن أعظمِ المفترِينَ على اللَّهِ تعالَى وليس نبيًّا في شيءٍ.

١١٣ - «فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ، لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ، فَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمِهِ ...

فَقَالَ هِرَقْلُ: هَذَا مُلْكُ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَدْ ظَهَرَ. ثُمَّ كَتَبَ هِرَقْلُ إِلَى صَاحِبٍ لَهُ بِرُومِيَةَ، وَكَانَ نَظِيرَهُ فِي الْعِلْمِ، وَسَارَ هِرَقْلُ إِلَى حِمْصَ، فَلَمْ يَرِمْ(١) حِمْصَ حَتَّى أَتَاهُ كِتَابٌ مِنْ صَاحِبِهِ يُوَافِقُ رَأْيَ هِرَقْلَ عَلَى خُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَّهُ نَبِيٌّ،

فَأَذِنَ هِرَقْلُ لِعُظَمَاءِ الرُّومِ فِي دَسْكَرَةٍ(٢) لَهُ بِحِمْصَ، ثُمَّ أَمَرَ بِأَبْوَابِهَا فَغُلِّقَتْ، ثُمَّ اطَّلَعَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الرُّومِ، هَلْ لَكُمْ فِي الْفَلَاحِ وَالرُّشْدِ وَأَنْ يَثْبُتَ مُلْكُكُمْ فَتُبَايِعُوا هَذَا النَّبِيَّ؟ فَحَاصُوا(٣) حَيْصَةَ حُمُرِ الْوَحْشِ إِلَى الْأَبْوَابِ فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ، فَلَمَّا رَأَى هِرَقْلُ نَفْرَتَهُمْ وَأَيِسَ مِنَ الْإِيمَانِ قَالَ: رُدُّوهُمْ عَلَيَّ. وَقَالَ: إِنِّي قُلْتُ مَقَالَتِي آنِفًا أَخْتَبِرُ بِهَا شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ، فَقَدْ رَأَيْتُ. فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَنْهُ، فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ شَأْنِ هِرَقْلَ(٤)». [صحيحُ الْبُخَارِيِّ (ت ٢٥٦هـ)، متّفقٌ عليه]

فإذا فهِمتَ هذا رحمَك اللَّهُ فهِمتَ أنّ كثيرًا مِنَ النّاسِ اليومَ لا يَعلمونَ ما هو الإسلامُ بخلافِ المشركينَ والنّصارَى المذكورينَ وغيرِهم في زمنِ النّبيِّ ﷺ، فإنّهم فهِمُوه تمامَ الفهمِ، لكنّهم لم يَعملُوا به. فبئسَ القومُ مَن كان كلُّ هؤلاء أعلمَ بلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مِنهم.

وقد يُقالُ هنا: «إنّ هِرَقْلَ نفسَه كان على الشّركِ وعلى النّصرانيّةِ المحرَّفةِ، فلعلّه لم يَفهمْ حقيقةَ ما يدعُو إليه مُحَمَّدٌ ﷺ». فيُقالُ: أمّا هل كان هِرَقْلُ على النّصرانيّةِ المحرَّفةِ فهذا بحثٌ آخرُ، وأمّا فهمُه لِما دعَا إليه النّبيُّ ﷺ فظاهرٌ مِن نصِّ الحديثِ، فمَن عَرفَ قصّتَه عَلِمَ أنّه فهِمَه فهمًا تامًّا، وأنّه لم يَرُدَّه لعدمِ موافقتِه عليه عِلمًا واعتقادًا.

وحتّى على تقديرِ أنّه كان على الشّركِ مِن قبلُ، فإنّه في حينِ كلامِه مع أَبِي سُفْيَانَ عَرفَ الدِّينَ وخصائصَه، إذ سألَ عنها وحكمَ على وَفْقِها، فعَلِمَ أنّ رسالةَ مُحَمَّدٍ ﷺ دِينُ اللَّهِ والحقُّ المُبِينُ، وأنّها النّهيُ عن كلِّ شركٍ.

وأوضحُ مِن ذلك ما ذكرتُ مِن شأنِ أَبِي سُفْيَانَ ومشركي قُرَيْشٍ، فإنّهم لم يَخْفَ عليهم ما هو الإسلامُ. وكذلك النَّجَاشِيُّ الذي أَسلمَ، كما يأتي في قصّتِه، لا شكَّ أنّه كان متيقِّنًا أنّ الإسلامَ هو الخلوصُ مِنَ الشّركِ.

الهوامش

  1. «لَمْ يَرِمْ»: لم يَبرَحْ، قال الْخَلِيلُ في «العَيْنِ»: «الرَّيْمُ: الْبَرَاحُ، وَالْفِعْلُ: رَامَ يَرِيمُ، وَتَقُولُ: مَا يَرِيمُ يَفْعَلُ كَذَا، أَيْ: مَا يَبْرَحُ»، والبَراحُ: الزّوالُ عنِ المكانِ. ↩
  2. قال الْخَلِيلُ في «العَيْنِ»: «الدَّسْكَرَةُ: بِنَاءٌ شِبْهُ قَصْرٍ، حَوْلَهُ بُيُوتٌ ... تَكُونُ لِلْمُلُوكِ». ↩
  3. «حَاصُوا»: عدَلُوا ورجَعُوا، قال الْجَوْهَرِيُّ في «الصّحاحِ» عن الْفَرَّاءِ: «حَاصَ عَنْهُ يَحِيصُ حَيْصًا ... أَيْ: عَدَلَ وَحَادَ». ↩
  4. وفي هذا الحديثِ أيضًا ردٌّ على بعضِ غلاةِ المرجِئةِ والجهميّةِ في هذا الزّمانِ الذين يَظنّونَ أنّ مجرّدَ معرفةِ الحقِّ يَكفِي لصحّةِ الإسلامِ. ↩