«فصل» (١١): في توبةِ المرتدّينَ بإقرارِهم على أنفسِهم وموتاهم بالكفرِ
١٠٩ - بوّبَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: «مَا قَالُوا فِي الرَّجُلِ يُسْلِمُ ثُمَّ يَرْتَدُّ مَا يُصْنَعُ بِهِ»، ورَوَى فيه:
«عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، قَالَ: «ارْتَدَّ عَلْقَمَةُ بْنُ عُلَاثَةَ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَاتَلَهُ الْمُسْلِمُونَ، قَالَ: فَأَبَى أَنْ يَجْنَحَ لِلسَّلْمِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يُقْبَلُ مِنْكَ إِلَّا سَلْمٌ مُخْزِيَةٌ أَوْ حَرْبٌ مُجْلِيَةٌ(١)، قَالَ، فَقَالَ: وَمَا سَلْمٌ مُخْزِيَةٌ؟، قَالَ: تَشْهَدُونَ عَلَى قَتْلَانَا أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ وَأَنَّ قَتْلَاكُمْ فِي النَّارِ، وَتَدُونَ قَتْلَانَا وَلَا نَدِي قَتْلَاكُمْ، فَاخْتَارُوا سَلْمًا مُخْزِيَةً»»
وبعدَه رَوَى: «عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، قَالَ: جَاءَ وَفْدُ بُزَاخَةَ: أَسَدٌ وَغَطَفَانُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ يَسْأَلُونَهُ الصُّلْحَ، فَخَيَّرَهُمْ أَبُو بَكْرٍ بَيْنَ الْحَرْبِ الْمُجْلِيَةِ أَوِ السَّلْمِ الْمُخْزِيَةِ، قَالَ: فَقَالُوا: هَذَا الْحَرْبُ الْمُجْلِيَةُ قَدْ عَرَفْنَاهَا، فَمَا السَّلْمُ الْمُخْزِيَةُ؟
قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: ... وَتَدُونَ قَتْلَانَا وَلَا نَدِي قَتْلَاكُمْ، وَقَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاكُمْ فِي النَّارِ، وَتَرُدُّونَ مَا أَصَبْتُمْ مِنَّا وَنَغْنَمُ مَا أَصَبْنَا مِنْكُمْ،
فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ: قَدْ رَأَيْتُ رَأْيًا، وَسَنُشِيرُ عَلَيْكَ، ... وَأَمَّا أَنْ نَغْنَمَ مَا أَصَبْنَا مِنْهُمْ وَيَرُدُّونَ مَا أَصَابُوا مِنَّا فَنِعْمَ مَا رَأَيْتَ، وَأَمَّا قَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ وَقَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ فَنِعْمَ مَا رَأَيْتَ، وَأَمَّا أَنْ لَا نَدِيَ قَتْلَاهُمْ فَنِعْمَ مَا رَأَيْتَ، وَأَمَّا أَنْ يَدُوا قَتْلَانَا فَلَا، قَتْلَانَا قُتِلُوا عَنْ أَمْرِ اللَّهِ فَلَا دِيَاتٍ لَهُمْ، فَتَتَابَعَ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ».
[مُصَنَّفُ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ (ت ٢٣٥هـ)](٢)
١١٠ - ورواه أَحْمَدُ: «عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: لَمَّا صَالَحَ أَبُو بَكْرٍ أَهْلَ الرِّدَّةِ صَالَحَهُمْ عَلَى حَرْبِ مُجْلِيَةٍ، أَوْ سِلْمٍ مُخْزِيَةٍ قَالَ: قَدْ عَرَفْنَا الْحَرْبَ الْمُجْلِيَةَ فَمَا السَّلْمُ الْمُخْزِيَةُ؟ قَالَ: تَشْهَدُونَ أَنْ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ، وَأَنْ قَتْلَاكُمْ فِي النَّارِ، وَأَنْ تَدُوا قَتْلَانَا، وَلَا نَدِي قَتْلَاكُمْ، وَإِنَّ مَا أَصَبْنَا مِنْكُمْ، فَهُوَ لَنَا وَمَا أَصَبْتُمْ مِنَّا رَدَدْتُمُوهُ إِلَى أَهْلِهِ. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ». [فَضائِلُ الصَّحابةِ، لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ (ت ٢٤١هـ)]
١١١ - ورواه الْخَلَّالُ، وفيه: «إِنَّهُ قَالَ لَهُمْ: تَشْهَدُونَ أَنَّ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاكُمْ فِي النَّارِ وَمَا رَضِيَ، يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ حَتَّى شَهِدُوا»
وفي روايةٍ أخرَى: «وَاللَّهِ مَا رَضِيَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ مِنْ أَهْلِ الرِّدَّةِ حَتَّى شَهِدُوا أَنَّ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ، وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ». [السُّنَّةُ، لِلْخَلَّالِ (ت ٣١١هـ)، ورواه أيضًا الطَّبَرَانِيُّ في الأوسطِ]
وإن سألَ سائلٌ عن وجهِ دلالتِه على ما نحن فيه، فالجوابُ أنّ أَبَا بَكْرٍ رضي الله عنه طَلبَ مِنهم للدّخولِ في الإسلامِ مرّةً أخرَى أن يَعلمُوا ويُقِرُّوا على أنفسِهم بأنّهم كانوا كفّارًا وأنّ مَن ماتَ مِنهم على ذلك ماتَ كافرًا وهو في النّارِ، ولم يكتفِ مِنهم بمجرَّدِ التّلفّظِ بالشّهادةِ، بل أَرادَ أن يَشهدُوا على قتلاهم بالنّارِ.
وإن قيلَ: لعلّ بعضَ ذلك لم يكنْ في مَن عادَ إلى عبادةِ الأوثانِ، فالجوابُ: نعم، كان هناك مِن أهلِ الرّدّةِ مَن آمنَ بنبيٍّ بعدَ مُحَمَّدٍ ﷺ مِثلَ مَن آمنَ بنبوّةِ مُسَيْلِمَةَ مِن بني حَنِيفَةَ، وكان مِنهم مَن عادَ إلى دِينِ الأوثانِ، وكان مِنهم مَن امتنعَ عن بعضِ الشّرائعِ، فأمّا مَن عادَ مِنهم إلى عبادةِ الأوثانِ فأمرُه واضحٌ، فإنّ الصّحابةَ لم يشكَّ أحدٌ مِنهم أنّ هؤلاء خرجُوا مِن دِينِ الإسلامِ وعادُوا إلى دِينِ الأوثانِ وبه يتمُّ المقصودُ، وأمّا غيرُ هؤلاء فأمرُهم أخفَى فيكونُ أدلَّ على المقصودِ.
فمَن آمنَ بمُسَيْلِمَةَ مثلًا أَشركَ في النّبوّةِ، والصّحابةُ لم يشكَّ أحدٌ مِنهم أنّ مَن هذه حالُه كافرٌ باللَّهِ تعالَى خارجٌ مِن ملّةِ الإسلامِ، والشّركُ في العبادةِ أوضحُ، وأَولَى وآكدُ أن يُخرِجُوا مَن وقعَ فيه مِن ملّةِ الإسلامِ.
الهوامش
- «مُجْلِيَةٌ»: مِنَ الإجلاءِ، وهو الإخراجُ مِنَ الدّارِ، قال الْأَزْهَرِيُّ في «تهذيبِ اللّغةِ»: «وَيُقَالُ: أَجْلَاهُمُ السُّلْطَانُ فَأَجْلَوْا وَجَلَوْا، أَيْ: أَخْرَجَهُمْ فَخَرَجُوا». ↩
- وحديثُ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ أصلُه عند الْبُخَارِيِّ مختصَرًا، أنّ أَبَا بَكْرٍ قال لوَفدِ بُزَاخَةَ: «تَتْبَعُونَ أَذْنَابَ الْإِبِلِ حَتَّى يُرِيَ اللَّهُ خَلِيفَةَ نَبِيِّهِ ﷺ وَالْمُهَاجِرِينَ أَمْرًا يَعْذِرُونَكُمْ بِهِ»، ورواه بتمامِه أَبُو عُبَيْدٍ في «الأموالِ»، وسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ في «سننِه»، وابْنُ زَنْجُوَيْهِ في «الأموالِ». ↩