«فصل» (١٠): قولُ اللَّهِ عز وجل عن إِبْرَاهِيمَ عليه السلام ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ١٣٥﴾ وعن نبيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ مِثلَه
قال تعالَى في سورةِ البقرةِ: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ١٣٥﴾ [البقرة: ١٣٥]
وفي آلِ عمرانَ: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ٦٧﴾ [آل عمران: ٦٧]
﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ٩٥﴾ [آل عمران: ٩٥]
وفي سورةِ الأنعامِ: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ١٦١ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ١٦٢ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ١٦٣﴾ [الأنعام: ١٦١-١٦٣]
وفي سورةِ النّحلِ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ١٢٠ شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ١٢١ وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ١٢٢ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ١٢٣﴾ [النحل: ١٢٠١٢٣]
وقال بصيغةٍ أخرَى في سورةِ الأنعامِ: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ٧٩ وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ٨٠ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ٨١﴾ [الأنعام: ٧٩-٨١]
١٠٧ - قال الطَّبَرِيُّ: «﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ٧٩﴾ [الأنعام: ٧٩] وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ خَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّهُ لَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ وَعَرَفَهُ، شَهِدَ شَهَادَةَ الْحَقِّ، وَأَظْهَرَ خِلَافَ قَوْمِهِ أَهْلِ الْبَاطِلِ وَأَهْلِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ، وَلَمْ تَأْخُذْهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، وَلَمْ يَسْتَوْحِشْ مِنْ قِيلِ الْحَقِّ وَالثَّبَاتِ عَلَيْهِ، مَعَ خِلَافِ جَمِيعِ قَوْمِهِ لِقَوْلِهِ وَإِنْكَارِهِمْ إِيَّاهُ عَلَيْهِ،
وَقَالَ لَهُمْ: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ٧٨﴾ [الأنعام: ٧٨] مَعَ اللَّهِ الَّذِي خَلَقَنِي وَخَلَقَكُمْ فِي عِبَادَتِهِ مِنْ آلِهَتِكُمْ وَأَصْنَامِكُمْ، إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ فِي عِبَادَتِي إِلَى الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، الدَّائِمِ الَّذِي يَبْقَى وَلَا يَفْنَى، وَيُحْيِي وَيُمِيتُ، لَا إِلَى الَّذِي يَفْنَى وَلَا يَبْقَى، وَيَزُولُ وَلَا يَدُومُ، وَلَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ.
ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّ تَوْجِيهَهُ وَجْهَهُ لِعِبَادَتِهِ بِإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لَهُ وَالِاسْتِقَامَةِ فِي ذَلِكَ لِرَبِّهِ عَلَى مَا يُحِبُّ مِنَ التَّوْحِيدِ، لَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُوَجِّهُ لَهُ وَجْهَهُ مَنْ لَيْسَ بِحَنِيفٍ، وَلَكِنَّهُ بِهِ مُشْرِكٌ، إِذْ كَانَ تَوْجِيهُ الْوَجْهِ لَا عَلَى التَّحَنُّفِ غَيْرَ نَافِعٍ مُوَجِّهَهُ بَلْ ضَارُّهُ وَمُهْلِكُهُ.
﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ٧٩﴾ يَقُولُ: وَلَسْتُ مِنْكُمْ أَيْ لَسْتُ مِمَّنْ يَدِينُ دِينَكُمْ، وَيَتَّبِعُ مِلَّتَكُمْ أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ كَانَ ابْنُ زَيْدٍ يَقُولُ
... قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِ قَوْمِ إِبْرَاهِيمَ لِإِبْرَاهِيمَ: تَرَكْتَ عِبَادَةَ هَذِهِ؟ فَقَالَ: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، فَقَالُوا: مَا جِئْتَ بِشَيْءٍ وَنَحْنُ نَعْبُدُهُ وَنَتَوَجَّهُهُ، فَقَالَ: لَا، ﴿حَنِيفًا﴾ قَالَ: مُخْلِصًا، لَا أُشْرِكُهُ كَمَا تُشْرِكُونَ». [تفسيرُ الطَّبَرِيِّ (ت ٣١٠هـ)]
وكذلك في سورةِ يوسفَ: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ١٠٨﴾ [يوسف: ١٠٨]
١٠٨ - قال الطَّبَرِيُّ في الآيةِ: «﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ١٠٨﴾ [يوسف: ١٠٨] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿قُلْ﴾ يَا مُحَمَّدُ ﴿هَذِهِ﴾ الدَّعْوَةُ الَّتِي أَدْعُو إِلَيْهَا، وَالطَّرِيقَةُ الَّتِي أَنَا عَلَيْهَا مِنَ الدُّعَاءِ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ وَإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لَهُ دُونَ الْآلِهَةِ وَالْأَوْثَانِ، وَالِانْتِهَاءِ إِلَى طَاعَتِهِ وَتَرْكِ مَعْصِيَتِهِ ﴿سَبِيلِي﴾ وَطَرِيقَتِي وَدَعْوَتِي ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ بِذَلِكَ وَيَقِينٍ عِلْمٍ مِنِّي بِهِ، ﴿أَنَا﴾ وَيَدْعُو إِلَيْهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَيْضًا ﴿مَنِ اتَّبَعَنِي﴾ وَصَدَّقَنِي وَآمَنَ بِي
﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ يَقُولُ لَهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَقُلْ تَنْزِيهًا للَّهِ وَتَعْظِيمًا لَهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ فِي مُلْكِهِ، أَوْ مَعْبُودٌ سِوَاهُ فِي سُلْطَانِهِ، ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ١٠٨﴾ يَقُولُ: وَأَنَا بَرِيءٌ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ بِهِ، لَسْتُ مِنْهُمْ، وَلَا هُمْ مِنِّي. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ». [تفسيرُ الطَّبَرِيِّ (ت ٣١٠هـ)]
فهذا أيضًا واضحٌ في الدّلالةِ على أنّ دِينَ جميعِ الأنبياءِ لا بدَّ فيه مِنَ العِلمِ الفاصلِ بينَ المسلمِ والمشركِ والبراءةِ مِنَ المشركينَ. ذلك أنّ اللَّهَ تعالَى بيّنَ في القرآنِ دِينَ إِبْرَاهِيمَ عِدّةَ مرّاتٍ، وختمَ ذلك في كلِّ مرّةٍ بوصفِه بمِثلِ قولِه ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ١٢٣﴾ [النحل: ١٢٣].
ثمّ أَمرَ اللَّهُ تعالَى نبيَّنا مُحَمَّدًا ﷺ باتّباعِ ملّةِ إِبْرَاهِيمَ كما سبقَ بقولِه ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [النحل: ١٢٣].
وكان يكفِي ذلك في بيانِ أنّنا أُمِرْنا ألّا نكونَ مِنَ المشركينَ، لكنّ اللَّهَ تعالَى بيّنَه مرّةً أخرَى تصريحًا، فأَمرَ نبيَّنا مُحَمَّدًا ﷺ أن يقولَ ذلك القولَ كما قاله إِبْرَاهِيمُ عليه السلام، فقال كما سبقَ ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ١٠٨﴾ [يوسف: ١٠٨].
وكذلك كان يكفِي لبيانِ المقصودِ أن يبيِّنَه فقط مِن كلامِ نبيِّنا ﷺ وأن يأمرَه باتّباعِ ملّةِ إِبْرَاهِيمَ، فيُعرَفَ أنّ دِينَ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام هو ألّا يكونَ مِنَ المشركينَ كما قاله مُحَمَّدٌ ﷺ، لكنّه بيّنَ الأمرَينِ تصريحًا. فبيّنَ دِينَ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام وبيّنَ دِينَ مُحَمَّدٍ ﷺ وبيّنَ دِينَ كلِّ واحدٍ مِنهما بالآخَرِ لمّا أَمرَ أحدَهما باتّباعِ ملّةِ الآخَرِ، وهذا تأكيدٌ شديدٌ وبيانٌ واضحٌ.