«فصل» (٩): الشّيطانُ يَبرأُ مِن إشراكِ المشركينَ إيّاه مع اللَّهِ يومَ القيامةِ بقولِه ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾، وعلاقةُ ذلك بآيةِ الممتحَنةِ
قال تعالَى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم: ٢٢]
أي: إنّ الشّيطانَ يتبيّنُ له في ذلك الموقفِ أنّ الإصرارَ على ما هو عليه مِن دعوةِ النّاسِ إلى عبادتِه وإلى تركِ عبادةِ اللَّهِ والإشراكِ به يُوجِبُ له العذابَ لا محالةَ، فيحاولُ أن يتبرّأَ مِن كلِّ مَن أَطاعَه وأَشركَه باللَّهِ براءةً تامّةً، وفي القرآنِ أنّه لا يجدُ لهذه البراءةِ في هذا الموقفِ الشّديدِ إلّا أن يقولَ: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٢٢﴾ [إبراهيم: ٢٢]
١٠٣ - قال الطَّبَرِيُّ: «﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢] يَقُولُ: إِنِّي جَحَدْتُ أَنْ أَكُونَ شَرِيكًا للَّهِ فِيمَا أَشْرَكْتُمُونِي فِيهِ مِنْ عِبَادَتِكُمْ مِنْ قَبْلُ فِي الدُّنْيَا»
«عَنْ عَامِرٍ، فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢] قَالَ: خَطِيبَانِ يَقُومَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: إِبْلِيسُ، وَعِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، فَأَمَّا إِبْلِيسُ فَيَقُومُ فِي حِزْبِهِ فَيَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ، وَأَمَّا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَيَقُولُ: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ١١٧﴾ [المائدة: ١١٧]»
ورَوَى بعدَه، قال: «عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [إبراهيم: ٢٢] قَالَ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، قَامَ إِبْلِيسُ خَطِيبًا عَلَى مِنْبَرٍ مِنْ نَارٍ، فَقَالَ: ... ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ قَالَ: بِطَاعَتِكُمْ إِيَّايَ فِي الدُّنْيَا». [تفسيرُ الطَّبَرِيِّ (ت ٣١٠هـ)، وبمِثلِها عند ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ فيما نقلَه السُّيُوطِيُّ في «الدّرِّ المنثورِ»]
ولا شكَّ أنّ الشّيطانَ - عليه لعنةُ اللَّهِ - لو وجدَ كلمةً تعبِّرُ عن البراءةِ مِن إشراكِ النّاسِ إيّاه باللَّهِ أشدَّ مِنَ الكفرِ بعبادتِهم، لاختارَها ليكونَ أدلَّ على المقصودِ. وهذا يوضِّحُ أنّ الكفرَ بالمشركينَ الذي أمرَنا اللَّهُ تعالَى به هو أشدُّ ما يكونُ مِنَ البراءةِ.
وفي ذلك دلالةٌ قويّةٌ على معنَى البراءةِ في قولِ الأنبياءِ للمشركينَ مِن أقوامِهم ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ﴾ [الممتحنة: ٤].
ومِنَ النّاسِ مَن يريدونَ التّلاعبَ بآيةِ الممتحَنةِ، يزعمونَ أنّ الذي فيها ليس وصفًا لِما لا بدَّ مِنه في دِينِ جميعِ الأنبياءِ مِنَ العِلمِ الفارقِ بينَ المسلمِ والمشركِ. وهذه الأقاويلُ ليس هنا محلُّ ردِّها، لكن لا يستريبُ مَن عرفَ كلامَ السّلفِ أنّ الآيةَ تبيِّنُ أساسَ دِينِ الأنبياءِ جميعًا.
١٠٤ - رَوَى الطَّبَرِيُّ: «عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ [الممتحنة: ٤] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾، يَقُولُ: فِي كُلِّ أَمْرِهِ أُسْوَةٌ، إِلَّا الِاسْتِغْفَارَ لِأَبِيهِ». ورَوَى: «عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ الْآيَةَ. يَقُولُ: ائْتَسُوا بِهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، مَا خَلَا قَوْلَهُ لِأَبِيهِ: ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾. فَلَا تَأْتَسُوا بِذَلِكَ مِنْهُ، فَإِنَّهَا كَانَتْ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ». وفي روايةٍ عنه: «لَا تَأَسَّوْا بِذَلِكَ، فَإِنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ مَوْعِدًا، وَتَأَسَّوْا بِأَمْرِهِ كُلِّهِ». [تفسيرُ الطَّبَرِيِّ (ت ٣١٠هـ)]
١٠٥ - وقال الطَّبَرِيُّ في قولِه تعالَى عن إِبْرَاهِيمَ ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ ٢٦ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ٢٧ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ٢٨﴾ [الزخرف: ٢٦-٢٨]: «﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَجَعَلَ قَوْلَهُ: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ ٢٦ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ - وَهُوَ قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ - كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ، وَهُمْ ذُرِّيَّتُهُ، فَلَمْ يَزَلْ فِي ذُرِّيَّتِهِ مَنْ يَقُولُ ذَلِكَ مِنْ بَعْدِهِ». ثمّ رَوَى عن مُجَاهِدٍ والسُّدِّيِّ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»، وعن قَتَادَةَ: «شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَالتَّوْحِيدَ، لَمْ يَزَلْ فِي ذُرِّيَّتِهِ مَنْ يَقُولُهَا مِنْ بَعْدِهِ»، وفي روايةٍ عنه: «التَّوْحِيدَ وَالْإِخْلَاصَ، وَلَا يَزَالُ فِي ذُرِّيَّتِهِ مَنْ يُوَحِّدُ اللَّهَ وَيَعْبُدُهُ»، وعن ابْنِ زَيْدٍ، وقرأَ ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١]: «جَعَلَ هَذِهِ كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ، وَقَالَ: الْإِسْلَامُ». [تفسيرُ الطَّبَرِيِّ (ت ٣١٠هـ)]
ففسّرُوا الكلمةَ التي هي شهادةُ الإسلامِ بهذه المعانِي المذكورةِ.
١٠٦ - رَوَى أَبُو دَاوُدَ: «عَنْ فَرْوَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِنَوْفَلٍ: «اقْرَأْ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ١﴾ [الكافرون: ١] ثُمَّ نَمْ عَلَى خَاتِمَتِهَا، فَإِنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ»».
[سننُ أَبِي دَاوُدَ (ت ٢٧٥هـ)](١)
ولازمُ قولِ هؤلاء ضرورةً أنّ المسلمَ يكفِيه أن يفارقَ عبادةَ الأوثانِ بنفسِه ليكونَ مسلمًا، وإن اعتقدَ أنّه هو ومَن عبَدَ الأوثانَ على دِينٍ واحدٍ، ويُعتَذَرُ له - بزعمِ هؤلاء - بأنّه عند دخولِه في الإسلامِ لم يَعرفِ الآياتِ الآمرةَ بالبراءةِ مِنَ المشركينَ، فلا بأسَ، لأنّه حقّقَ الإسلامَ بمجرَّدِ أن يَتركَ هو نفسُه الشّركَ، وإن لم يَعلمْ أنّ عُبّادَ الأوثانِ على دِينٍ آخرَ! يقولونَ يُعتَذَرُ له لأنّه اشتبهتْ عليه بعضُ الأمورِ فحَكمَ لعابدِ الوثنِ بالإسلامِ.
فيُقالُ: بماذا يُعتَذَرُ له؟ أبأنّه اشتبهَ عليه أنّ عبادةَ الأوثانِ منافِيةٌ للإسلامِ؟ ولا يُنسَى هاهنا أنّنا في معرِضِ الكلامِ على الشّركِ الأكبرِ الصّريحِ، لا على ما يحتمِلُ الشّركَ الأكبرَ وغيرَه مِنَ الأعمالِ والأقوالِ! فإن اشتبهَ هذا، وهو الأصلُ الذي لا يَثبتُ شيءٌ إلّا به، فهل بقِيَ بعدَه شيءٌ؟
وهل يحاولُ مَن له عقلٌ ودِينٌ أن يحمِّلَ كلامَ اللَّهِ هذا المعنَى تلاعبًا كلاميًّا فلسفيًّا ببعضِ العباراتِ في الآيةِ بعيدًا عن فهمِ كلامِ اللَّهِ على مرادِ اللَّهِ وعلى وَفْقِ بيانِ السّلفِ لعامّةِ الآياتِ المبيِّنةِ لمعنَى توحيدِ العبادةِ؟
فعلى أمثالِ هؤلاء المعترِضينَ أن يَتركُوا مِثلَ هذا وأن يراجعُوا أنفسَهم ويَبحثُوا عن معانِي القرآنِ في مظانِّها بحثًا صادقًا، عسَى اللَّهُ أن يوفِّقَ المرءَ إذا فعلَ ذلك، وباللَّهِ تعالَى التّوفيقُ.
الهوامش
- ورواه التِّرْمِذِيُّ، والنَّسَائِيُّ في «السّننِ الكبرى»، وأَحْمَدُ، والدَّارِمِيُّ، مِن طريقِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، واختُلِفَ عليه فيه، فقال التِّرْمِذِيُّ في روايةِ زُهَيْرٍ عنه عن فَرْوَةَ بْنِ نَوْفَلٍ عن أبيه: «وَهَذَا أَشْبَهُ وَأَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، وَقَدِ اضْطَرَبَ أَصْحَابُ أَبِي إِسْحَاقَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ»، وقال الدَّارَقُطْنِيُّ في «العللِ»: «وَرَوَاهُ إِسْرَائِيلُ، وَأَشْعَثُ بْنُ سَوَّارٍ، وَأَبُو مَرْيَمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ فَرْوَةَ بْنِ نَوْفَلٍ الْأَشْجَعِيِّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ». وله طريقٌ آخرُ عند ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ في «المصنَّفِ» عن أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ عن أبيه. ↩