ibnu-musafir.com

مِن كتابِ «فِي بَيَانِ مَعْنَى الْإِسْلَامِ» · قراءة الكتاب بصيغة PDF

«باب» (١٠): معرفةُ مشركِي العربِ والعجمِ معنَى الشّهادةِ وفهمُهم لِما خاطبَهم به الأنبياءُ عليهم السلام

«فصل» (٨): في أنّ أصلَ البراءةِ هو نفيُ الإسلامِ عن المشركِ وهذا يكونُ عن عِلمٍ وأنّ الإحسانَ إلى المشركِ لا يناقضُ أصلَ البراءةِ

المرادُ بالبراءةِ هاهنا مِن حيثُ الأصلُ أن يُخرِجَ المسلمُ المشركَ عن دِينِه فيَنفِيَ عنه وصفَ الإسلامِ واسمَه، أمّا أن يَصِلَ الرّحِمَ أو يُحسِنَ إلى الجارِ وغيرُ ذلك بعدَ أن جَزمَ بأنّه ليس مسلمًا فليس هذا مرادًا هنا.

ولا يخالفُ مَن له عِلمٌ بالكتابِ والسّنّةِ أنّ مِثلَ هذا الإحسانِ إلى الكافرِ لا ينافِي أصلَ الإيمانِ، كما يتبيّنُ مِنَ الآياتِ التي بعدَ المذكورةِ سابقًا: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ٧ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ٨ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ٩﴾ [الممتحنة: ٧-٩]

١٠٢ - قال الطَّبَرِيُّ في هذه الآياتِ: «يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ﴾، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، ﴿عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٨] مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ ﴿وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ يَقُولُ: وَتَعْدِلُوا فِيهِمْ بِإِحْسَانِكُمْ إِلَيْهِمْ، وَبِرِّكُمْ بِهِمْ. ... وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: عُنِيَ بِذَلِكَ: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ مِنْ جَمِيعِ أَصْنَافِ الْمِلَلِ وَالْأَدْيَانِ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتَصِلُوهُمْ، وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ، إِنَّ اللَّهَ عز وجل عَمَّ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ جَمِيعَ مَنْ كَانَ ذَلِكَ صِفَتَهُ، فَلَمْ يَخْصُصْ بِهِ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ،

وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: ذَلِكَ مَنْسُوخٌ، لِأَنَّ بِرَّ الْمُؤْمِنِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ مِمَّنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَرَابَةُ نَسَبٍ، أَوْ مِمَّنْ لَا قَرَابَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَلَا نَسَبَ غَيْرُ مُحَرَّمٍ وَلَا مَنْهِيٍّ عَنْهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ لَهُ، أَوْ لِأَهْلِ الْحَرْبِ عَلَى عَوْرَةٍ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ، أَوْ تَقْوِيَةٌ لَهُمْ بِكُرَاعٍ أَوْ سِلَاحٍ. وَقَدْ بَيَّنَ صِحَّةَ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ الْخَبَرُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي قِصَّةِ أَسْمَاءَ وَأُمِّهَا». [تفسيرُ الطَّبَرِيِّ (ت ٣١٠هـ)]

ومَن فسّرَ هذه الآياتِ بمعانٍ أُخَرَ مِن أهلِ التّفسيرِ لا يَقصِدُ أنّ كلَّ إحسانٍ إلى المشركِ في كلِّ زمانٍ وكلِّ مكانٍ محرَّمٌ وأنّه مناقِضٌ لأصلِ البراءةِ، إذ لا يقولُ هذا أحدٌ مِن أهلِ العِلمِ. وما قِيلَ هنا فهو مِن بابِ الإشارةِ إذ ليس الأمرُ المشارُ إليه محلَّ هذا البحثِ.