«فصل» (٧): لا يَقبلُ اللَّهُ عملًا حتّى يفارقَ المشركينَ إلى المسلمينَ
وكذلك حديثُ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، فيه اشتراطُ مفارقةِ المشركينَ إلى المسلمينَ لقبولِ الأعمالِ:
١٠٠ - رَوَى ابْنُ مَاجَه: «عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْ مُشْرِكٍ أَشْرَكَ بَعْدَمَا أَسْلَمَ عَمَلًا، حَتَّى يُفَارِقَ الْمُشْرِكِينَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ»». [سننُ ابْنِ مَاجَه (ت ٢٧٣هـ)، وبنحوِه عند النَّسَائِيِّ](١)
١٠١ - وجاءَ الحديثُ عند أَحْمَدَ مطوَّلًا: «عَنْ بَهْزٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ مَا أَتَيْتُكَ حَتَّى حَلَفْتُ أَكْثَرَ مِنْ عَدَدِ أُولَاءِ، وَضَرَبَ إِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى أَنْ لَا آتِيَكَ، وَلَا آتِيَ دِينَكَ، وَإِنِّي قَدْ جِئْتُ امْرَأً لَا أَعْقِلُ شَيْئًا إِلَّا مَا عَلَّمَنِي اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَإِنِّي أَسْأَلُكَ بِوَجْهِ اللَّهِ بِمَ بَعَثَكَ رَبُّنَا إِلَيْنَا؟
قَالَ: «بِالْإِسْلَامِ». قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا آيَةُ الْإِسْلَامِ؟
قَالَ: «أَنْ تَقُولَ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَتَخَلَّيْتُ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَكُلُّ مُسْلِمٍ عَلَى مُسْلِمٍ مُحَرَّمٌ أَخَوَانِ نَصِيرَانِ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْ مُشْرِكٍ يُشْرِكُ بَعْدَمَا أَسْلَمَ عَمَلًا، أَوْ يُفَارِقُ الْمُشْرِكِينَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ مَا لِي أُمْسِكُ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، أَلَا إِنَّ رَبِّي دَاعِيَّ وَإِنَّهُ سَائِلِي: «هَلْ بَلَّغْتَ عِبَادِي؟» وَأَنَا قَائِلٌ لَهُ: «رَبِّ قَدْ بَلَّغْتُهُمْ» أَلَا فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ، ...» قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا دِينُنَا. قَالَ: «هَذَا دِينُكُمْ وَأَيْنَمَا تُحْسِنْ يَكْفِكَ»». [مسندُ أَحْمَدَ (ت ٢٤١هـ)]
ففي الحديثِ أنّ اللَّهَ لا يَقبلُ ممّن دخلَ في دِينِ الإسلامِ عملًا حتّى يفارقَ المشركينَ إلى المسلمينَ، وقال في آخرِ الحديثِ «هَذَا دِينُكُمْ» وكان جوابًا عن سؤالِه «وَمَا آيَةُ الْإِسْلَامِ؟» أي: علامتُه، وقولِه بعدَ ذلك «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا دِينُنَا». فإن قِيلَ لعلّ هذا في مفارقةِ المشركينَ إلى المسلمينَ بالبدنِ ويكونُ ذلك بالهجرةِ إليهم، وهذه لا يَكفرُ تاركُها وإن كان آثمًا، قِيلَ: فهو في مفارقةِ المشركينَ إلى المسلمينَ بالعقيدةِ والقلبِ آكدُ وآكدُ، وهل يظنُّ عاقلٌ أنّ مَن لم يفارقْ دِينَهم في القلبِ دخلَ في دِينِ الإسلامِ عِلمًا وقصدًا وعملًا؟!
ثمّ تذكّرْ أنّ فراقَ المشركِ جاءَ مفسَّرًا بالبراءةِ مِنَ الكافرِ في حديثِ جَرِيرٍ السّابقِ ذكرُه بالأرقامِ (٩٧-٩٩)، فهل يظنُّ ظانٌّ أنّ مَن لم يفارقْهم بالعقيدةِ وظنَّ أنّه لم يزلْ معهم على دِينٍ واحدٍ قد حقّقَ ما طُلِبَ مِنه في دِينِ الإسلامِ أصلًا؟
الهوامش
- رواه الْحَاكِمُ وقال: «هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ»، وقال التِّرْمِذِيُّ في بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ: «وَهُوَ ثِقَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ». ولفظُ النَّسَائِيِّ في حديثٍ طويلٍ: «أَوْ يُفَارِقَ الْمُشْرِكِينَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ». ↩