ibnu-musafir.com

مِن كتابِ «فِي بَيَانِ مَعْنَى الْإِسْلَامِ» · قراءة الكتاب بصيغة PDF

«باب» (١٣): دِينُ اللَّهِ هو دِينُ الفطرةِ ويُمكِنُ معرفتُه بالفطرةِ والعقلِ ومعنَى الميثاقِ الذي أخذَه اللَّهُ على النّاسِ

«فصل» (١): بيانُ النّبيِّ ﷺ كيف تُحرَّفُ فطرةُ النّاسِ عن الحنيفيّةِ التي خلقَهم اللَّهُ عليها

١٣٢ - أَخرجَ مُسْلِمٌ: «عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَتِهِ: «أَلَا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا: كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ(١) عَبْدًا حَلَالٌ، وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ(٢) عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا. وَإِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَقَالَ: إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لِأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ، وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ(٣)، تَقْرَؤُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ ...»» [صحيحُ مُسْلِمٍ (ت ٢٦١هـ)]

١٣٣ - ورَوَى الْبُخَارِيُّ: «أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه كَانَ يُحَدِّثُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ(٤)؟» ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] الْآيَةَ».

وفي روايةٍ: «هَلْ تَجِدُونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ حَتَّى تَكُونُوا أَنْتُمْ تَجْدَعُونَهَا؟» [صحيحُ الْبُخَارِيِّ (ت ٢٥٦هـ)، متّفقٌ عليه]

فكلُّ مولودٍ يُولَدُ على الإسلامِ، وهو دِينُ الفطرةِ. ودلالةُ الحديثِ على ذلك بيّنةٌ مِن وجوهٍ:

(١)ذِكرُ أَبِي هُرَيْرَةَ لهذه الآيةِ التي ذكرتُها ومعناها في أوّلِ هذا البابِ، فهذا استدلالٌ مِنه على هذا المعنَى، وفي روايةٍ لِمُسْلِمٍ «ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَاقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]».

(٢)أنّه قال «يهوِّدانه» أو «ينصِّرانه» أو «يمجِّسانه» وعند مُسْلِمٍ «يشرِّكانه» ولم يقلْ «أو يُسْلِمَانِهِ»، فعُلِمَ أنّه لا حاجةَ أن يَجعلاه على الإسلامِ بتربيتِهما له، إذ وُلِدَ مسلمًا.

(٣)أنّ المذكورَ كلَّه مِن دِينِ الشّركِ، فإذا كان الأبوانِ إنّما يَنقلانِه إلى ملّةِ الشّركِ، فقد كان قبلَ ذلك على التّوحيدِ، لأنّ الشّركَ نقيضُ الإسلامِ، فمَن لم يكنْ مشركًا كان مسلمًا، إمّا هذا وإمّا هذا، لا ثالثَ لهما. والأبوانِ هنا عبارةٌ عن كلِّ ما يؤثِّرُ في إفسادِ الفطرةِ وتحريفِها.

(٤)أنّ في روايةٍ لِمُسْلِمٍ: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا وَهُوَ عَلَى الْمِلَّةِ»، وفي أخرى: «... إِلَّا عَلَى هَذِهِ الْمِلَّةِ حَتَّى يُبَيِّنَ عَنْهُ لِسَانُهُ»، وفي أخرى: «... لَيْسَ مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا عَلَى هَذِهِ الْفِطْرَةِ حَتَّى يُعَبِّرَ عَنْهُ لِسَانُهُ»، فجعلَ «الملّةَ» مكانَ «الفطرةِ».

فتبيّنَ أنّ المرادَ بالإسلامِ هنا هو ما رَكَزَه اللَّهُ تعالَى في فطرةِ الإنسانِ مِنَ الاستسلامِ لخالقِه والتّهيُّؤِ لقَبولِ التّوحيدِ والسّلامةِ مِن معارضتِه. وليس المرادُ، واللَّهُ أعلمُ، أنّه حقّقَ ما بعثَ اللَّهُ به المرسَلينَ عِلمًا وقصدًا وعملًا، لقولِه تعالَى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ٧٨﴾ [النحل: ٧٨].

الهوامش

  1. «نَحَلْتُهُ»: قال الْجَوْهَرِيُّ في «الصِّحاحِ»: «وَالنُّحْلُ بِالضَّمِّ: مَصْدَرُ قَوْلِكَ: نَحَلْتُهُ مِنَ الْعَطِيَّةِ أَنْحَلُهُ نُحْلًا». ↩
  2. «فَاجْتَالَتْهُمْ»: قال الْأَزْهَرِيُّ في «تهذيبِ اللُّغةِ» عنِ اللَّيْثِ: «وَيُقَالُ لِلْقَوْمِ إِذَا تَرَكُوا الْقَصْدَ وَالْهُدَى: اجْتَالَهُمُ الشَّيْطَانُ، أَيْ: جَالُوا مَعَهُ فِي الضَّلَالَةِ». ↩
  3. «لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ»: قال الْخَطَّابِيُّ في «غريبِ الحديثِ»: «يُرِيدُ أَنَّ الْقُرْآنَ وَإِنْ مُحِيَ رَسْمُهُ بِالْمَاءِ وَغُسِلَ لَمْ يَذْهَبْ عَنِ الصُّدُورِ، وَلَمْ يُنْسَخْ حِفْظُهُ مِنَ الْقُلُوبِ». ↩
  4. «جَمْعَاءَ»: قال ابْنُ قُتَيْبَةَ في «غريبِ الحديثِ»: «وَالْبَهِيمَةُ الْجَمْعَاءُ هِيَ السَّلِيمَةُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاجْتِمَاعِ السَّلَامَةِ لَهَا فِي أَعْضَائِهَا»، و«جَدْعَاءَ» مِنَ الْجَدْعِ، قال الْجَوْهَرِيُّ في «الصِّحاحِ»: «الْجَدْعُ: قَطْعُ الْأَنْفِ، وَقَطْعُ الْأُذُنِ أَيْضًا، وَقَطْعُ الْيَدِ وَالشَّفَةِ». ↩