ibnu-musafir.com

مِن كتابِ «فِي بَيَانِ مَعْنَى الْإِسْلَامِ» · قراءة الكتاب بصيغة PDF

«باب» (١٣): دِينُ اللَّهِ هو دِينُ الفطرةِ ويُمكِنُ معرفتُه بالفطرةِ والعقلِ ومعنَى الميثاقِ الذي أخذَه اللَّهُ على النّاسِ

«فصل» (٢): عِظَمُ شأنِ الميثاقِ عند مَن يَفهمُ الكتابَ والسّنّةَ وإن جَهِلَه المتكلِّمونَ، وقولُه تعالَى ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾

﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ١٧٢ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ١٧٣ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ١٧٤﴾ [الأعراف: ١٧٢-١٧٤]

١٣٤ - قال الطَّبَرِيُّ: «يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ: وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ رَبَّكَ إِذِ اسْتَخْرَجَ وَلَدَ آدَمَ مِنْ أَصْلَابِ آبَائِهِمْ، فَقَرَّرَهُمْ بِتَوْحِيدِهِ، وَأَشْهَدَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ شَهَادَتَهُمْ بِذَلِكَ وَإِقْرَارَهُمْ بِهِ». [تفسيرُ الطَّبَرِيِّ (ت ٣١٠هـ)]

١٣٥ - ورَوَى أَحْمَدُ: «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَخَذَ اللَّهُ الْمِيثَاقَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ بِنَعْمَانَ - يَعْنِي عَرَفَةَ - فَأَخْرَجَ مِنْ صُلْبِهِ كُلَّ ذُرِّيَّةٍ ذَرَأَهَا، فَنَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ كَالذَّرِّ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ قِبَلًا(١)، قَالَ: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ١٧٢ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ١٧٣﴾ [الأعراف: ١٧٢-١٧٣]»»(٢).

ورَوَى ابنُه عَبْدُ اللَّهِ في زياداتِه على «المسندِ»: «عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ عز وجل ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢](٣) الْآيَةَ، قَالَ: جَمَعَهُمْ فَجَعَلَهُمْ أَرْوَاحًا، ثُمَّ صَوَّرَهُمْ فَاسْتَنْطَقَهُمْ فَتَكَلَّمُوا،

ثُمَّ أَخَذَ عَلَيْهِمُ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُ عَلَيْكُمُ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ، وَأُشْهِدُ عَلَيْكُمْ أَبَاكُمْ آدَمَ عليه السلام أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ: لَمْ نَعْلَمْ بِهَذَا.

اعْلَمُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ غَيْرِي وَلَا رَبَّ غَيْرِي، فَلَا تُشْرِكُوا بِي شَيْئًا، وَإِنِّي سَأُرْسِلُ إِلَيْكُمْ رُسُلِي يُذَكِّرُونَكُمْ عَهْدِي وَمِيثَاقِي، وَأُنْزِلُ عَلَيْكُمْ كُتُبِي.

قَالُوا: شَهِدْنَا بِأَنَّكَ رَبُّنَا وَإِلَهُنَا، لَا رَبَّ لَنَا غَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ لَنَا غَيْرُكَ. فَأَقَرُّوا بِذَلِكَ، وَرَفَعَ عَلَيْهِمْ آدَمَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، فَرَأَى الْغَنِيَّ وَالْفَقِيرَ وَحَسَنَ الصُّورَةِ وَدُونَ ذَلِكَ، فَقَالَ: رَبِّ، لَوْلَا سَوَّيْتَ بَيْنَ عِبَادِكَ؟ قَالَ: إِنِّي أَحْبَبْتُ أَنْ أُشْكَرَ.

وَرَأَى الْأَنْبِيَاءَ فِيهِمْ مِثْلُ السُّرُجِ عَلَيْهِمُ النُّورُ، خُصُّوا بِمِيثَاقٍ آخَرَ فِي الرِّسَالَةِ وَالنُّبُوَّةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٧] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾، كَانَ فِي تِلْكَ الْأَرْوَاحِ فَأَرْسَلَهُ إِلَى مَرْيَمَ. فَحَدَّثَ عَنْ أُبَيٍّ أَنَّهُ دَخَلَ مِنْ فِيهَا».

[مسندُ أَحْمَدَ (ت ٢٤١هـ)](٤)

١٣٦ - ورَوَى أَحْمَدُ: «عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُقَالُ لِلرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ أَكُنْتَ مُفْتَدِيًا بِهِ؟ قَالَ: فَيَقُولُ: نَعَمْ، قَالَ: فَيَقُولُ: قَدْ أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ ذَلِكَ، قَدْ أَخَذْتُ عَلَيْكَ فِي ظَهْرِ آدَمَ أَنْ لَا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا، فَأَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تُشْرِكَ»». [مسندُ أَحْمَدَ (ت ٢٤١هـ)]

١٣٧ - ورواه مُسْلِمٌ، وفيه: «يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا: لَوْ كَانَتْ لَكَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا أَكُنْتَ مُفْتَدِيًا بِهَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: قَدْ أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ هَذَا وَأَنْتَ فِي صُلْبِ آدَمَ، أَنْ لَا تُشْرِكَ - أَحْسِبُهُ قَالَ: وَلَا أُدْخِلَكَ النَّارَ - فَأَبَيْتَ إِلَّا الشِّرْكَ». [صحيحُ مُسْلِمٍ (ت ٢٦١هـ)، متّفقٌ عليه]

١٣٨ - ورَوَى أَبُو دَاوُدَ: «... سَمِعْتُ حَمَّادَ بْنَ سَلَمَةَ يُفَسِّرُ حَدِيثَ «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» قَالَ هَذَا عِنْدَنَا حَيْثُ أَخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْعَهْدَ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ حَيْثُ قَالَ ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]». [سننُ أَبِي دَاوُدَ (ت ٢٧٥هـ)](٥)

١٣٩ - وقال ابْنُ قُتَيْبَةَ في «غريبِ الحديثِ»: «أَمَّا قَوْلُهُ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» فَإِنَّهُ يُرِيدُ أَنَّهُ يُولَدُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِاللَّهِ، وَهُوَ الْمِيثَاقُ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حِينَ أَخْرَجَهُمْ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ أَمْثَالَ الذَّرِّ ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، فَالنَّاسُ جَمِيعًا وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي أَدْيَانِهِمْ وَنِحَلِهِمْ عَالِمُونَ بِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَالِقُهُمْ». [غريبُ الحديثِ، لِابْنِ قُتَيْبَةَ (ت ٢٧٦هـ)]

فتبيّنَ أنّ العبدَ مفطورٌ على الإيمانِ مِن أوّلِ أمرِه، وأنّه يَعرفُ ربَّه بفطرتِه السّليمةِ. فيَعرفُ أنّه خالقُه وخالقُ كلِّ شيءٍ، وأنّه يتّصفُ بصفاتِ الإلهيّةِ، فيَعرفُ عظَمتَه، وأنّه واحدٌ في ذلك لا يُماثلُه فيه شيءٌ، وأنّ هذه الصّفاتِ تقتضِي أنّه وحدَه يستحقُّ العبادةَ، فلا يُعبَدُ إلّا هو. فإفرادُه بالعبادةِ هو الحقُّ والعدلُ والصّوابُ، والإشراكُ به في عبادتِه أظلمُ الظّلمِ، ومَن فعلَه فهو ظالمٌ مُبطِلٌ، ليس على التّوحيدِ الحقِّ، بل على طريقٍ مخالِفٍ ودِينٍ آخرَ يُناقِضُه.

كلُّ ذلك يُمكِنُ أن يَعرفَه مِن فطرتِه وعقلِه إذا سَلِمَا، وجاء الأنبياءُ ليُذكِّرُوا النّاسَ بهذا الأصلِ العظيمِ. فأقلُّ ما يَدخلُ به العبدُ الإسلامَ هو شهادةُ التّوحيدِ عِلمًا وعملًا. والدّليلُ على ذلك آيةُ الميثاقِ السّابقةُ فإنّها واضحةٌ فيه. فمَن قام بهذه الأمورِ فقد أتَى بما عليه، وبما طالبَه به ربُّه بقولِه: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وبما جاء في حديثِ أُبَيٍّ: «اعْلَمُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ غَيْرِي وَلَا رَبَّ غَيْرِي، فَلَا تُشْرِكُوا بِي شَيْئًا».

الهوامش

  1. «قِبَلًا»: قال الْجَوْهَرِيُّ في «الصِّحاحِ»: «وَرَأَيْتُهُ قَبَلًا وَقُبُلًا بِالضَّمِّ، أَيْ: مُقَابَلَةً وَعِيَانًا. وَرَأَيْتُهُ قِبَلًا بِكَسْرِ الْقَافِ». ↩
  2. ورواه النَّسَائِيُّ في «الكبرى»، وابْنُ مَنْدَه في «الرّدِّ على الجهميّةِ»، والطَّبَرِيُّ، وابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِن قولِ ابْنِ عَبَّاسٍ. ↩
  3. قال ابْنُ مُجَاهِدٍ (ت ٣٢٤هـ) في «السّبعة»: «فَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَعَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ وَاحِدَةً، وَقَرَأَ نَافِعٌ وَأَبُو عَمْرٍو وَابْنُ عَامِرٍ ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ جَمَاعَةً»، والآيةُ هنا على رسمِ مُصحَفِ الدُّورِيِّ عن أَبِي عَمْرٍو وضَبطِه. ↩
  4. حديثُ أُبَيٍّ هذا جاء مِن طُرُقٍ كثيرةٍ لكنّه مختصَرٌ في بعضِها. رواه الفِرْيَابِيُّ في «القَدَرِ»، والْآجُرِّيُّ في «الشّريعةِ»، واللَّالَكَائِيُّ في «شرحِ أصولِ اعتقادِ أهلِ السّنّةِ»، وابْنُ مَنْدَه في «الرّدِّ على الجهميّةِ»، وابْنُ بَطَّةَ في «الإبانةِ الكبرى». وأَخرجَ التِّرْمِذِيُّ وَمَالِكٌ في «الموطّأِ» في معناه عن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه يَرفعُه إلى النّبيِّ ﷺ، وفيه: «ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً»، وقال التِّرْمِذِيُّ: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَمُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُمَرَ»، ولعلَّ إسنادَ حديثِ أُبَيٍّ أحسنُها واللَّهُ أعلمُ. ↩
  5. ورواه ابْنُ بَطَّةَ في «الإبانةِ الكبرى» في «بابِ الإيمانِ بأنَّ كلَّ مولودٍ يولدُ على الفطرةِ وذراريَّ المشركينَ»، واللَّالَكَائِيُّ في «شرحِ أصولِ اعتقادِ أهلِ السّنّةِ». و«ذراريَّ» بالنّصبِ عطفًا على «كلَّ مولودٍ»، أي: وأنّ ذراريَّ المشركينَ يُولَدونَ على الفطرةِ أيضًا، ويجوزُ فيه الجرُّ «وذراريِّ» عطفًا على «الإيمانِ»، فيكونُ موضوعًا ثانيًا للبابِ. ↩