«باب» (١٥): التّوحيدُ أصلُ الإسلامِ، فكيف يكونُ على الإسلامِ مَن لم يُحقِّقْ أصلَه؟
«فصل» (١): المشركُ لم يُحقِّقْ ما خُلِقَ له، كما في قولِه تعالَى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
قال اللَّهُ تعالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ٥٦ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ٥٧ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ٥٨﴾ [الذاريات: ٥٦-٥٨]
﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ٥٦﴾ [الذاريات: ٥٦] أي: إلّا ليوحِّدونِ(١).
١٥٢ - رَوَى الطَّبَرِيُّ: «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ٥٦﴾ [الذاريات: ٥٦] إِلَّا لِيُقِرُّوا بِالْعُبُودِيَّةِ طَوْعًا وَكَرْهًا». [تفسيرُ الطَّبَرِيِّ (ت ٣١٠هـ)، وبمِثلِه عند ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ فيما نقلَه السُّيُوطِيُّ في «الدّرِّ المنثورِ»]
١٥٣ - وذَكرَ الْبُخَارِيُّ في كتابِ التّفسيرِ: «﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ٥٦﴾ [الذاريات: ٥٦]: مَا خَلَقْتُ أَهْلَ السَّعَادَةِ مِنْ أَهْلِ الْفَرِيقَيْنِ إِلَّا لِيُوَحِّدُونِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: خَلَقَهُمْ لِيَفْعَلُوا، فَفَعَلَ بَعْضٌ وَتَرَكَ بَعْضٌ، وَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ لِأَهْلِ الْقَدَرِ.» [صحيحُ الْبُخَارِيِّ (ت ٢٥٦هـ)]
١٥٤ - وقال مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ: «﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ٥٦﴾ [الذاريات: ٥٦] يَعْنِي: إِلَّا لِيُوَحِّدُونِ».
وفي زياداتِ راوي تفسيرِه: «عَنْ أَبِي صَالِحٍ، قَالَ: إِلَّا لِيُوَحِّدُونِ، قَالَ أَبُو صَالِحٍ: الْأَمْرُ يُعْصَى، وَالْخَلْقُ لَا يُعْصَى». [تفسيرُ مُقَاتِلٍ (ت ١٥٠هـ)]
فالمرادُ: «إلّا ليُفرِدُوا اللَّهَ بخصائصِه ولا يُشرِكُوا به أحدًا في شيءٍ مِنها»، ومِن ذلك إفرادُه بالعبادةِ، لأنّ الإقرارَ بتوحيدِ العبادةِ والعملَ به، إذا كانا على الوجهِ المطلوبِ، يتضمّنانِ الإقرارَ بتوحيدِ الرّبوبيّةِ والأسماءِ والصّفاتِ والعملَ به.
ولذلك ذكرَ السَّمْعَانِيُّ عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أنّ كلَّ ما جاءَ في القرآنِ مِنَ الأمرِ بالعبادةِ إنّما المرادُ مِنه الأمرُ بالتّوحيدِ في العبادةِ(٢). وهذا لا شكَّ فيه، إذ القرآنُ كلُّه يُفصِّلُ المرادَ مِن هذا الأمرِ.
١٥٥ - وقال مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ: «﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] يَعْنِي: نُوَحِّدُ، كَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ فِي الْمُفَصَّلِ(٣): ﴿عَابِدَاتٍ﴾ [التحريم: ٥]، يَعْنِي: مُوَحِّدَاتٍ». [تفسيرُ مُقَاتِلٍ (ت ١٥٠هـ)]
١٥٦ - وقال يَحْيَى بْنُ سَلَّامٍ في «التّصاريفِ»: «تَفْسِيرُ «اعْبُدُوا» عَلَى ثَلَاثَةِ وُجُوهٍ: الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: «اعْبُدُوا» يَعْنِي: وَحِّدُوا، وَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي سُورَةِ هُودٍ، قَوْلُ هُودٍ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ يَعْنِي: وَحِّدُوا اللَّهَ، ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [هود: ٥٠]، وَكَذَلِكَ قَوْلُ صَالِحٍ لِقَوْمِهِ. وَقَالَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] يَعْنِي: وَحِّدُوا اللَّهَ. وَقَالَ فِي سُورَةِ نُوحٍ: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ﴾ [نوح: ٣] يَعْنِي: وَحِّدُوا اللَّهَ ...». [التّصاريفُ، لِيَحْيَى بْنِ سَلَّامٍ (ت ٢٠٠هـ)]
وقد سبقَ ذِكرُ الطَّبَرِيِّ روايةَ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما في ذلك، ورواها ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بسندِه عنه في قولِه تعالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]: «أَيْ وَحِّدُوا رَبَّكُمْ»(٤).
ولو كان المرادُ مجرّدَ عبادةِ اللَّهِ مع وجودِ الشّركِ، لكان عبّادُ الأصنامِ موحِّدينَ، وفي ذلك ذهابُ معنَى الدِّينِ كلِّه. فتبيّنَ أنّ اللَّهَ خَلَقَ الخلقَ لعبادتِه وحدَه لا شريكَ له، والمشركُ لا يُحقِّقُ ذلك، فكيف يكونُ مسلمًا؟
قال تعالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ٥﴾ [البينة: ٥]
وقد عرَفتَ معنَى الإلهِ وأنّه المعبودُ، فلو أَمكنَ أن يكونَ فاعلُ الشّركِ الأكبرِ مسلمًا مخلِصًا للَّهِ، فما معنَى قولِه تعالَى إذًا: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ٥١﴾ [النحل: ٥١]؟
١٥٧ - قال الطَّبَرِيُّ: «يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَقَالَ اللَّهُ لِعِبَادِهِ: لَا تَتَّخِذُوا لِي شَرِيكًا، أَيُّهَا النَّاسُ، وَلَا تَعْبُدُوا مَعْبُودَيْنِ، فَإِنَّكُمْ إِذَا عَبَدْتُمْ مَعِيَ غَيْرِي جَعَلْتُمْ لِي شَرِيكًا، وَلَا شَرِيكَ لِي، إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ، وَمَعْبُودٌ وَاحِدٌ، وَأَنَا ذَلِكَ». [تفسيرُ الطَّبَرِيِّ (ت ٣١٠هـ)]
فكيف يَقرأُ أحدٌ هذه الآيةَ ثمّ يَذهبُ إلى ذلك القولِ ويَجعلُ المشركَ مسلمًا؟! فأين يُذهَبُ بهم عن هذه الآيةِ وهم يقرؤونَ القرآنَ، بل يُدرِّسُه بعضُهم؟
الهوامش
- وياءُ المتكلِّمِ في آخرِ الكلمةِ يجوزُ حذفُها في اللّغةِ كما في الآيةِ، وتَبقَى الكسرةُ دليلًا عليها، وإن لم يُنطَقْ بالكسرةِ عند الوقفِ كما في آخرِ الآيةِ. ↩
- ذكرَه في تفسيرِه بلا إسنادٍ، ولفظُه: «كُلُّ مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْعِبَادَةِ فَهُوَ بِمَعْنَى التَّوْحِيدِ»، وذكرَه الْبَغَوِيُّ أيضًا في تفسيرِه. ↩
- «الْمُفَصَّل»: السّوَرُ الأخيرةُ مِنَ القرآنِ، قال الْخَطَّابِيُّ في «غريبِ الحديثِ»: «وَإِنَّمَا قِيلَ لَهَا الْمُفَصَّلُ لِكَثْرَةِ الْفُصُولِ بَيْنَهَا بِآيَةِ التَّسْمِيَةِ»، واختُلِفَ في أوّلِه: سورةُ «مُحَمَّدٍ» أو «ق». ↩
- انظرِ النّصَّ (١١) في البابِ (٢)، الفصلِ (٣) «الأمرُ بتوحيدِ العبادةِ في القرآنِ وقولُه تعالَى ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ وهو أوّلُ أمرٍ في كتابِ اللَّهِ». ↩